بسرعة تأخرنا على الموعد ..
يمكنها الانتظار .. سرعان ما حدقتني بنظرة حادة مستنكرة برود أعصابي ..أنهيت ما كان بيدي، ودون أن تعطيني مجالا لأخذ نفس عميق ..ألقت أوامرها ..لنذهب.. ركبنا السيارة وانطلقت بنا كالسهم . أظنها تتلذذ بالقيادة والتحكم بالأشياء من حولها ، كما أتلذذ أنا بالصمت ..و لن أفق من صمت لولا نبرة صوتها الساخرة . علك اخترعت حلا آمنا لتخليصنا من مشاكل السير ؟! أدرت وجهي والابتسامة تعلو شفتي ..ليس بعد ..
لم أنتبه لثرثرة مريم لكثرة ما شدني حاجبيها المقوسين..! إنها رفيقتي لزمن طويل ، ولم أنتبه لملامح وجهها تفصيلا وأنها تملك عينين بلون بني لامع .. كنت مذهولة جدا ..وتعمدت إطالة النظر، والتدقيق بالحاجب المقوس والعينين لعلي أحفظهما عن ظهر قلب .
باغتتني: وماذا الآن ؟؟ رحت أردد باعجاب : ما كنت أعلم بأنك تملكين حاجبين مقوسين، ولون عينيك بني لامع كأمواج البحر في منتصف النهار..! انفجرت مريم من الضحك ..يبدو عليها الثقة في كل شيء ، وليس مهما لها أن نخوض أية نقاشات الآن . التفت أنا ببصري للجانب الآخر من الشارع .. ولقد زدت إصرارا وأشد عنادا أريد أن أحفظ بعضا من ملامحها الفاتنة.. وما أن يتسنى لي الوقت سأقوم برسمها بقلم الرصاص . يبدو أن مريم تداركت الوضع وتوقف ضحكاتها الرنانة. قالت : معذرة لم أقصد ولكنه رأيك المفاجئ ، وأنا اعتدت الأمر .
عدت للصمت .. وما أن لبثت مريم لتقطع الحبل ، وبريق صاف ينبعث من عينيها، ويلون ملامح وجهها بألوان الربيع الجميلة ..همست بخجل : شكرا .. هذه المرة هي من آثرت الصمت .. شعرت بأنها تتظاهر بذلك ، وتعمدت توجيه جل اهتمامها للشارع المزدحم وحركة السير . بدا واضحا لي حينما أرتسم السرور على ملامحها، وبدت كطفلة صغيرة تدور وترقص فرحا تحت حبات المطر ..! كيف حصل ولم ألحظ بأنها فتاة جميلة دافئة .. تتظاهر بالقوة والشدة في كل حال ..!
أخيرا تعدينا أزمة السير، ووصلنا إلى الموعد قبل الوقت المحدد بدقيقة . لم يكن هناك من أحد .. تلقائيا وجهت نظراتي الساخرة لمريم ..
: وصلنا ولا أحد سوانا وأنت التي كنت تخشى عدم الالتزام بالمواعيد والتأخير.. دون أن تعطي مجالا لجدال عقيم .. أشارت إلى ساعة يدها .. : لايزال الوقت ثم تقدمت بثقة واختارت طاولة بزاوية المقهى . كعادتها تفضل المقدمة دون تنازل ..كما تعشق الهدوء والضجيج في آن .. تجبرك على التحديات وبكل ثبات ..!
نظرت حولي .. رغم الموسيقى المنبعثة، إلا أن السكون يغلف المكان ..! ارتحت كثيرا حينما خلا من الوجوه والأصوات .. شعرت بالاسترخاء بعد عناء يوم شاق . أجرت مريم اتصالا سريعا ، واستأذنتني لثلاث دقائق بالكثير .. ذهبت هي وتقدم النادل مدليا بكتيب.. أشرت له بالقهوة مع الحليب . ذهب هو وعادت مريم وبرفقتها باقي المجموعة .. ومن خلفهم شخص ما ذهب للجهة المقابلة.
التم الشمل وهذا أحد المواعيد المعدة مسبقا ، ودائما ما نسعى لتكرارها، وجمع ما كان متفرقا، وضم بعضه إلى بعض وإن اختلفت العادات وتشتت الآراء . عاد النادل بأكواب قهوة كثيرة مليئة بالتناقضات..! ثم اتجه ناحية الشخص الجالس مقابلا لنا ..بدأ راضيا .. ولم يثره الفضول لمعرفة سبب توتر الجو من حوله .. لابد أنه مشغول بأمر ما كان أشد إثارة وإرباكا.! رأيت النادل يدون الطلب ، لكن لم أعرف ماذا كانت قهوة أم عصيرا.. انصرف النادل بهدوء تام .. كنت على وشك الانصراف لشؤوني والاندماج بالأحاديث وجو البنات إلى مالا نهاية . كنت متضامنة جدا ..أشارك باقي المجموعة في الثرثرة والفوضى .. ولكني كنت أيضا أراقب الشخص حينما بدأ بتصفح الهاتف والمواقع والرسائل وبعض الردود ، دون أن يلحظ اقترابي من تفاصيله المتفرقة..! ابتسمت.. الأمر مثير للفضول والتسلية.. لكزتني مريم ..أفقت من شرودي والتوتر باد على وجهي . ابتسامة مكر تعلو شفتيها .. همست : خذيني معك لنبحر معا في عوالمك الخفية .. لم تدع لي مجالا للرد ..سرعان ما عادت لإكمال الحديث والثرثرة.. أنقذتني من عناء تلفيق كذبة صغيرة .. لابد وأنها لاحظت نظراتي المحدقة بالشخص .. وبكل تأكيد سأكون لاحقا تحت رحمة تحقيقات ساخرة .. لم أشأ حرمان نفسي لحظات المتعة والسرور.. تجاهلت الأمر لحين موعده . تناولت فنجاني وبدا كريشة مابين أناملي.. حتى أنا بدوت كفراشة لولا نبضاتي التي تدق وتدق ..!
تسلل شذى القهوة قبل أن أتذوقها.. تبدو لذيذة برفقة متعة الحكايات وقصص بائتة ..وسرعان ما أدارت مريم كفة الحديث لمواضيع أكثر إثارة وتشويقا . كنت منصتة دون أن أشارك بشيء.. تدور في رأسي قائمة طويلة .. وبعض الواجبات المركونة التي يجب علي انهائها.
فجأة تذكرت الشخص الجالس هناك.. وما أن أدرت وجهي تفاجأت بأن مقعده خال وغادر المكان..!



