
شبابنا الواعد، فلذات أكبادنا وأمل هذه البلد، أقف اليوم لأخاطب قلوبكم وعقولكم برسالةٍ قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقةٌ في معناها، ثقيلةٌ في وزنها، وضروريةٌ لوجودنا الإنساني. رسالةٌ تتعلّق بمن سبقوكم في مسيرة الحياة، بمن خطّوا بأيديهم تاريخكم، وسكبوا من أرواحهم نورًا أضاء دروبكم: كبار السن.
لقد استمعتُ اليوم لخطبة الجمعة التي لامست الروح، وتحدثت عن أولئك الذين يحملون على أكتافهم قصصًا وحكمًا، وتجاعيد الزمن التي تُخبر عن صمودٍ وتضحيةٍ لا تنتهي. تحدثت عن كبار السن، هؤلاء الذين قد يرقدون ولا ينامون، ففي عيونهم قصةٌ من السنين الطويلة، وحكاياتٌ من التعب والأرق. وقد يأكلون ولا يهضمون، فشهيتهم للحياة قد تضاءلت، لكن حاجتهم للحنان والاهتمام تتزايد. وقد يضحكون، ولا يفرحون، فبسمتهم قد تكون ستارًا لآلامٍ لا تُرى، وأحزانٍ لا تُحكى. وقد يوارون دمعتهم تحت بسمتهم، فصبرهم على الدنيا وتجلدهم على تقلبات الزمن قد علّمهم إخفاء ما بداخلهم.
يا أحبائي، أنتم اليوم شبابٌ في أوج قوتكم، تتدفق في عروقكم حيوية الشباب، وتنبض في قلوبكم طموحاتٌ لا حدود لها. لكن هل فكرتم يومًا أن الزمن دوّار، وأن الأيام تمضي مسرعةً كالسهم، وأن عجلة الحياة لا تتوقف؟ اليوم أنتم هنا، وغدًا، أو بعد غد، ستكونون أنتم هناك، في مكانهم، في موقع كبار السن.
اخواني إياكم وكبار السن! هذه العبارة ليست مجرد تحذير، بل هي نداءٌ من القلب، صرخةٌ من التجربة، تذكيرٌ بحقيقةٍ لا مفر منها. إنهم قد يكونون صامتين، لكن صمتهم يحمل صرخاتٍ خفية. يؤلمهم بُعدكم عنهم. تخيلوا أنفسكم، بعد سنواتٍ طويلةٍ من العطاء، وبعد أن بنيتم أجيالًا، وقدمتم كل ما تملكون، تجدون أبناءكم وأحفادكم مشغولين عنكم، منشغلين بهواتفهم في حضرتكم، وكأن وجودكم أصبح عبئًا لا قيمة له. هذا هو الألم الحقيقي الذي يعيشونه. لقد كانوا يومًا محور البيوت، بؤرة العائلة، حيث تتجمع حولهم الأفراح والأحزان. أما اليوم، فالعالم يتغير، والناس تتجه نحو الذاتية، ويُنسى غالبًا من هم أساس كل خير. فانتبه ولا تكن من الحمقى فتشقى! الشقاء الحقيقي هو ندمٌ لا ينفع، وشعورٌ بالذنب لا يزول، عندما تدركون متأخرين أنكم أضعتم فرصةً لا تعوض.
إن حوائج كبار السن أبعد من طعام وشراب وملبس ودواء. نعم، هذه ضرورياتٌ لا غنى عنها، لكن الأهم من ذلك بكثير هو شعورهم بالحب، بالتقدير، بالانتماء. إنهم يحتاجون إلى أذنٍ صاغيةٍ لحديثهم، وعينٍ ترى ما خفي من آلامهم، ويدٍ حانيةٍ تمتد إليهم. هل من عاقلٍ يدرك هذه الحقيقة؟
تذكروا، يا شباب، أن كبار السن قريبون من الله. دعاؤهم أقرب للقبول. كم من أزمةٍ عصفت بنا، ثم انفرجت ببركة دعوة أمٍ أو أبٍ مسنٍّ؟ كم من ضائقةٍ ألمّت بنا، فكان دعاؤهم حصنًا لنا؟ فاغتنم قبل نفاد الرصيد! رصيدٌ من الخير، من البركة، من رضا الله.
لقد فقدوا والديهم، وفقدوا كثيرًا من رفقائهم. تخيلوا حجم الفراغ الذي يعيشونه، والحزن الذي يختبئ في طيات قلوبهم. قلوبهم جريحة، ونفوسهم مطوية على الكثير من الأحزان. إنهم يحملون على أكتافهم ذكرياتٍ لأناسٍ أحبوهم وفقدوهم، ولأيامٍ مضت لن تعود. إن الكلمة التي كانت لا تريحهم حال قوتهم، الآن تجرحهم. والتي كانت تجرحهم، الآن تذبحهم. كلماتنا لها وقعٌ عظيمٌ في نفوسهم، فلنحرص على أن تكون كلماتنا بلسمًا لجروحهم، وراحةً لأرواحهم.
دعوني أشارككم قصتين من واقعنا، ربما مررتم بها أو سمعتم عنها، لتدركوا أن ما نتحدث عنه ليس مجرد نظريات، بل هو واقعٌ نعيشه جميعًا.
أحمد وثمن التأجيل: أتذكر قصة صديقي “أحمد”، شابٌ طموحٌ ومتفوق في دراسته وعمله. كان دائمًا مشغولًا، يحمل على عاتقه أعباء الحياة، ويرى أن وقته ثمينٌ لا يجب إهداره. كانت جدته، التي ربّته منذ صغره، تعيش معه في نفس المنزل. كانت دائمًا تطلب منه أن يجلس معها قليلًا، أن يستمع إلى قصصها القديمة، أو حتى أن يشاركها صمتها. كان أحمد يؤجل ذلك دائمًا، يقول لنفسه: “سأفعل ذلك غدًا، أو عندما أجد وقتًا فراغًا”. ذات يوم، استيقظ أحمد على خبر وفاة جدته. شعورٌ قاسٍ اجتاحه، ندمٌ مريرٌ لم يفارقه. كان يتذكر كيف كانت عيونها تلمع بالأمل عندما تراه، وكيف كانت تبتسم عندما يسمعها حديثها العذب. لكنه لم يمنحها الوقت الكافي. أصبح يقول لنفسه: “يا ليتني جلست معها أكثر، يا ليتني استمعت إليها بقلبي لا بأذني فقط”. هذا الألم لازمه طويلًا، وأصبح درسًا له في حياته. قد تتساءلون، هل كان أحمد سيئًا؟ لا، بل كان كالكثير منا، يظن أن “الوقت” سيمتد إلى ما لا نهاية.
ليلى كالربيع في الخريف: وقصة “ليلى”، فتاةٌ حنونةٌ، كانت دائمًا تحرص على زيارة والدتها المسنة في المستشفى والذي اصبح مكانها بعد تقدمها الكبير في السن. لم تكن مجرد زياراتٍ عابرة، بل كانت تقضي ساعاتٍ طويلةٍ معها، تقرأ لها القرآن، تمشط لها شعرها، وتحكي لها عن يومها. كانت أمها، رغم تقدمها في السن وضعف ذاكرتها، تشعر بسعادتها الغامرة بوجود ليلى. في أحد الأيام، أخبرتها الممرضة أن والدتها كانت تسأل عنها كل يوم، وتنتظرها بشوق. كانت ليلى تدرك أن هذه الساعات القليلة التي تقضيها مع والدتها هي كل ما تملكه أمها من سعادة. وعندما توفيت والدتها، لم تشعر ليلى بالندم، بل شعرت بالرضا لأنها منحت والدتها أجمل الأيام في خريف عمرها. ليلى لم تمنح والدتها “رفاهية”، بل منحتها “وجودًا” كان أغلى من أي رفاهية.
إن كبار السن لديهم فراغ يحتاج عقلاء رحماء يملؤونه. يحتاجون من يسمع لحديثهم، ويأنس لكلامهم، ويبدو سعيدًا بوجودهم. لقد غادر بهم القطار محطة اللذة، وصاروا في صالة انتظار الرحيل. ينتظرون الداعي ليلبوه. إنهم ليسوا بحاجة إلى الكثير من الكماليات، بل يحتاجون إلى بسمةٍ في وجوههم، وكلمةٍ جميلة تطرق آذانهم، ويدًا حانية تمتد لأفواههم، وعقلًا لا يضيق برؤاهم.
تذكروا دائمًا أن هؤلاء هم الأب، والأم، والجد، والجدة، وسواهم من ذوي القرابات ممن شابت شعورهم ويبست مشاعرهم. إنهم كنزٌ لا يقدّر بثمن، مكتبةٌ من التجارب والحكمة، مصدرٌ لا ينضب من الحب غير المشروط.
اجعلهم يعيشون أيامًا سعيدة، ولياليَ مشرقة، ويختمون كتاب حياتهم بصفحات ماتعة من البر والسعادة. حتى إذا خلا منهم المكان، لا تصبح من النادمين. كن العِوضَ عما فقدوا، فالحياة أخذت منهم الكثير، وكن الربيعَ في خريف عمرهم، فامنحهم الأمل والبهجة، وكن العُكّازَ فيما تبقى، فكن سندًا لهم في ضعفهم.
سلامٌ على كبار السن، أولئك الذين أضاءوا لنا دروب الحياة، والذين تحملوا مشاق السنين لكي نكون هنا اليوم. وسلامٌ على من يراعون كبار السن، أولئك الذين فهموا عمق هذه الرسالة، والذين ترجموا الحب إلى أفعال.
هم كبار السن الآن، وسيذهبون، وعما قليل ستكون أنت هذا الكبير المسنّ المقبل. فاحذر، وانظر ما أنت صانع، وما أنت زارع. فكما تدين تدان، وكما تزرع تحصد. ازرعوا الحب، والرحمة، والبر، لتنعموا بحصادٍ وافرٍ من السعادة والرضا عندما يأتي دوركم.
فلنكن جميعًا سفراء للبر والإحسان، ولنحمل في قلوبنا وعقولنا وصية العطف على كبار السن. لنجعل من بيوتنا واحاتٍ للرحمة، ومن أوقاتنا فرصًا للعطاء. ففي رضاهم رضا الرب، وفي دعواتهم مفاتيح الخير، وفي ابتسامتهم حياةٌ لنا.




