غير مصنف

فلسفة الوعي واللاوعي: تداعياتها ومخاطرها

محمد بن خميس الحسني

فلسفة الوعي واللاوعي
فلسفة الوعي واللاوعي

من المنطقي أن يكون الوعي والإدراك صفتين ملازمتين للنفس البشرية طوال حياة الإنسان، وإن اعترت بعضَ الناس عوارضُ صحية تُعطّل هاتين الصفتين أو تُضعفان فاعليتهما. وتُعدّ نعمة الوعي من أجلّ النعم التي أسبغها الله تعالى علينا، ما يفرض علينا صيانتها وشكر واهبها، وحسن توظيفها للارتقاء في مصافّ المجتمعات المتقدمة علمياً وعملياً.

​ولعل من المفارقات المعاصرة الانجراف نحو مستقبل غامض بدعوى مواكبة التقانة الحديثة، مع التنكر للماضي وتوهم أن كل قديم قد انتهى أثره، وأن المستقبل وحده هو الغاية، متناسين أهمية الاتعاظ بتجارب الأمس والارتكاز عليها. فالانغماس في الجديد ونبذ التراث كلياً يوقع المرء في تيه فكري؛ إذ لا تعني مواكبة تطورات العصر هدم الأصول، وهو ما يخالف الحكمة الدارجة: “اللي ماله أول، ماله تالي”.

​وينسحب هذا الخلل الإدراكي على ما يُشاهد اليوم في منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث يعمد بعضهم إلى تداول أخبار ومواد قديمة وبثها بحجة حداثتها، أو ترويج محتوى لا طائل منه سوى إثارة المهاترات والبلبلة، دون إعمال العقل أو تفعيل الوعي لتبين مآلات تلك الأفعال وأثرها المجتمعي. والمؤسف حقاً أن ننساق خلف هذا التيار نحو نفق مجهول العواقب، ما لم نتدارك الموقف بالمراجعة والتصحيح قبل فوات الأوان، وحينها لن يجدي الندم نفعاً مصداقاً للمثل السائر: “إذا فات الفوت ما ينفع الصوت”.

​إن عملية الإدراك تتطلب جهداً ذهنياً مضاعفاً، وقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وفحص ما يُلقى إلينا من أحاديث وروايات لتبين صدقها من دوافعها المستترة. وثمة إدراك سطحي يكتفي بالتقاط السريع دون تمحيص، فيقع صاحبه في فخ التسرع والكسل المعرفي. وفي المقابل، يبرز الإدراك النقدي اليقظ الذي يفطن لدقائق الأمور، ويعمل على غربلة المعلومات وتصويبها وفق أسس موضوعية، ليثمر نتائج إيجابية مستدامة.

​غير أن الإشكال الأكبر يبرز حين يُوجَّه الإدراك بدوافع شخصية بحتة تُغلَّف برداء المصلحة العامة، فيتحول إلى سلوك أناني قصير النظر؛ وقد يتساءل المرء: كيف نعدّ هذا التصرف غياباً للوعي وصاحبه يخطط ببراعة وإتقان لبلوغ مآربه؟ والواقع أن مثل هذه النجاحات تظل هشة وسرعان ما تتلاشى وينكشف زيفها، لتتبدد مكاسب سنوات طوال في لحظة وجيزة.

​إن فئة من هؤلاء تدرك في قرارة نفسها حقيقة مسلكها، لكنها تؤثر المضي تحت وطأة الأنانية وتحصيل المكاسب المؤقتة، غير آبهة بالعواقب الأخلاقية أو الجزاء الأخروي، في مفارقة تكشف تدني الوعي القيمي وانقياده خلف الأهواء.

​وخلاصة القول، إن حاجتنا إلى الوعي الرشيد والإدراك المسؤول تظل ملحة ومصيرية؛ فبهما نبني مجتمعاتنا ونصون مكتسباتنا لتتوارثها الأجيال. أما تغييب الوعي الأخلاقي ومحاذاة المصلحة الذاتية، فمآله الحتمي الخسارة؛ وحريٌّ بنا أن نُحكّم عقولنا، ونرتقي بإدراكنا إلى الغاية السامية التي خُلقنا لأجلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى