الثقافي

فلسفة الهواء… الكائن الخفي وسفير الوجود

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

الهواء… تلك الكلمة البسيطة التي تبدو مألوفة، هي في حقيقتها سِفرٌ كونيٌّ مفتوح، لا يُقرأ بالحواس وحدها بل بالبصيرة، فهو ليس فراغًا يملأ الفضاء، ولا مجرد نَفَسٍ يدخل الرئتين، بل هو روح الحركة، ولسان التسبيح، وسفير الخلق إلى الخالق.

هو المعلّم الصامت، والسفير الخفيّ بين العوالم، يحرّك البحر ويُهدهد الشجر ويُحيي الصدر ثم يرحل دون أن يُرى.

فبه تُولد الأصوات، ومنه تُبنى اللغة والموسيقى، وتُحمل الدعوات والأنفاس.

إنه النسيج اللامرئي الذي تسبح فيه كل ذبذبةٍ وصوتٍ وضوءٍ ونداء، شبكة إرسالٍ إلهيةٍ خُلقت منذ “كُن”، وما زالت حتى اليوم تحمل الرسائل بين الأرض والسماء.

في حركة ورقةٍ صغيرةٍ تُرى أعظم دروس الوجود: فالنسمة التي لا تُرى لا تُدرك إلا حين تُحرّك غصنًا أو تُميل ورقة، وكذلك الكون كله؛ لو لم يتحرك ما أدركنا الفاعل.

أفلا نرى هذا الافتعال من البداع الوجودي ونقول: أوجده موجد لا إله إلا هو؟

العلم الحديث لا يزيد على أن يفسّر ما نبهنا إليه الإيمان منذ القدم: أن الهواء ليس ساكنًا بل حيٌّ، يتنفس كما تتنفس الأرض، يحمل الذبذبات والأصوات والطاقة والموجات التي تنقل الصور والصوت بين القارات والنجوم.

فكل رسالةٍ في الفضاء، وكل ومضةٍ في الأثير، تمرّ في هذا البحر الهوائي العظيم الذي جعله الله شفافًا، رحيمًا، خادمًا للنور والحياة.

قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾

فالرياح، وهي الهواء المتحرك، بُشرى ورحمة، إذ بها تحيا الأرض بعد موتها وتهتزّ القلوب بعد جمودها. أما الشعراء والعرفاء فقد أدركوا هذا السرّ من قبل أن تدركه المختبرات.

ففي تائية سلطان العاشقين ابن الفارض يقول:

نَعَــمْ بالصَّبا قلـبي صـبا لأحِبّتـي

فيــا حبّـذا ذاك الشـَّذى حيـنَ هَبَّـتِ

إنها ريح الصبا، التي تحمل الحنين في نسمةٍ لا تُرى ولكن تُحَسّ، كأنها هينمة الروح في لسان الهواء.

وقد فسر الشيخ ناصر بن جاعد الخروصي أن “الهَيْنَمَة” هي صوت الريح في الأشياء، ولولا تحرك أوراق الأشجار لما علمنا بوجود الهواء، فالأوراق عيون الكون التي ترى الغيب وتترجمه للسمع والبصر.

– لغة التسبيح الكوني….

الهواء هو العازف الخفيّ في أوركسترا الوجود، به تُولد النغمة من صمت، ويُستخرج الحرف من جوفٍ ساكن، وتتحول الأنفاس إلى كلماتٍ ومعانٍ.

فكل صوتٍ يُسمع هو اهتزاز هوائي، وكل ذكرٍ يُتلى إنما يسري عبر ذبذباتٍ هوائيةٍ تترجم الإيمان إلى ذبذبات نور.

حين يُتلى القرآن، يمرّ النفس عبر الرئتين، ثم يخرج في هيئة موجاتٍ صوتيةٍ منسجمة مع نظام الذكر الإلهي؛ فتصبح الكلمةُ جسرًا بين الأرض والسماء.

ومن هنا كانت الأصوات القرآنية – بأحكام تجويدها وتنغيمها – أقرب إلى الميزان الكوني في الذبذبة والتناسق.

إنها لغة التسبيح الكوني، التي تتردد في كل مكانٍ من الفضاء، في حفيف الأشجار، وفي هدير البحر، وفي صفير الريح بين الجبال.

كلها تُسبّح، ولكن لا نفقه تسبيحها: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].

– الهواء… الكريم بأمر الكريم

وهكذا هو الهواء، كريمٌ بكرم الله، لطيفٌ بلطفه، عظيمٌ بعظمته. تعـرج فيه الملائكة في أرجاء الكون، تحمل أوامر الخالق بين طبقات السماء، وتسري به أنفاس الحياة في كل كائنٍ حيٍّ، صغيرًا كان أو عظيمًا.

من رحمة الله أن ما من مخلوقٍ إلا وله في الهواء سندٌ وحاوي؛ فهو يحمل الطير على جناحه، والسحاب في طبقاته،

ويحفظ الأرض من اختناقها لو سكن، فهو الستر الرقيق الذي يلفّ الكوكب بحضنٍ من رحمة الله.

يتلوّن بأمر ربه فيصير نسيم الصبا للرحمة، وصرصرًا للعذاب إذا غضب الجبّار، ويأتي باردًا في الثلج، حارًّا في الرمال، عَطِرًا إذا مرّ على رياض الأرض، وساكنًا في ليل السكون، متحرّكًا في نهار الضجيج.

إنه طائعٌ لله في كل حال، لا يعصي أمرًا ولا يتأخر عن مشيئة، فبيده سبحانه يُرسل النسمة الرقيقة أو الريح العاصفة، وفي قبضته تتبدل حالاته كما تتبدل أحوال القلوب بين الخوف والرجاء.

الهواء هو الأقرب إلى حبل الوريد، يسري في الدم كما تسري الكلمة في الوجدان، ويذكّرنا بأن قرب الله أعظم من قرب كل شيء، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.

– الهواء… طريق الروح من السماء وإليها….، وعلى الإنسان أن يعلم أن روحه قد عبرت إليه وهو جنينٌ في بطن أمه عبر نسائم الهواء، فمن السماء جاء أمر الحياة، ومن خلال الهواء جرى أمر “كُن”، فبدأت أول نفخةٍ في الرحم من هواءٍ رحمانيٍّ لطيف، ثم ظل هذا الهواء يرافقه ما دام حيًّا، يدخل صدره ويخرج، ينعش دمه، يهمس في خلاياه، حتى إذا انتهى الأجل، عرجت الروح على ذات الجسر الهوائي الذي نزلت منه، تصعد مع النسمة الطاهرة إلى موطنها الأول.

أي إبداعٍ هذا في تدبير الخالق!

هواءٌ واحدٌ يسري في المجرات والصدور، يحمل النور لمن تفكر، ويهدي من تدبر، هواءٌ يشهد بوحدانية الله في كل ذرةٍ منه، فسبحان من جعل الهواء همزة الوصل بين السماء والإنسان، وبين الروح والجسد، وبين البداية والنهاية.

إلهي … كفى بي شرفًا أن أكون لك عبدًا، وكفى بي فخرًا أن تكون لي ربًّا، أنت كما أحب، فكن لي كما تحب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى