النصوص

فلتكن أقلامنا أداة بناء لا معول هدم

حسين بن علي الشرقي

في زحمة الفضاء الرقمي، وبين ضجيج الكلمات المتدفقة عبر المنصات، يخرج علينا بين حينٍ وآخر من يكتب بلا وعي أو مسؤولية، يعبث بالمفردات، ويستسهل الطعن في الأخلاق، فيخلق محتوى يُسيء فيه للرجال والنساء، لا لشيء إلا ليرتفع عدد الإعجابات أو يعيد التغريدات لأرقام قياسية.

يُدهشك أن ترى شابًا في مقتبل عمره، من المفترض أن يكون انعكاسًا لحيوية الجيل وطموحه، يسخّر قلمه ـ أو بالأصح، هاتفه ـ للنَّيل من القيم، وتحقير صورة المرأة والرجل، واستعراض أحكام جاهزة على فئات المجتمع، كأنما نصب نفسه قاضيًا على المروءة والحياء. يكتب باستهزاء وسخرية مفرطة، ويغلف الإهانة بطابع “الترند” أو “الترفيه” ليُبرر تجاوزه الأخلاقي.

الغريب في الأمر أن هذه الكتابات لا تُقدّم فكرًا، ولا تطرح قضية، بل تسير على خيط رفيع من الاستفزاز الرخيص، واستدعاء التفاعل القائم على الصدمة لا القيمة. والمؤسف أن بعض الجمهور ينساق خلف هذه الظاهرة، دون أن يسأل: ما الذي نكسبه حين نضحك على حساب كرامة الآخرين؟

لسنا ضد حرية التعبير، ولا نرفض النقد البناء، ولكن ما يجري أحيانًا ليس سوى عبث أخلاقي. فحرية التعبير لا تعني حرية الإهانة، ولا يحق لأحد أن يجعل من المنصات الرقمية منبرًا لتعميم الصور السلبية، أو نشر الكراهية تحت ستار “المحتوى الجريء”.

إن مسؤولية الكلمة لا تسقط عن أحد، خاصة في زمن أصبحت فيه الكلمة أسرع من الرصاصة، وأكثر تأثيرًا من القرار. فلتكن أقلامنا أداة بناء لا معول هدم. ولنتذكّر أن الشهرة التي تُبنى على الإساءة، هي وهجٌ مؤقت يسبق العزلة والنسيان.

الأخلاق ليست خيارًا في سوق التفاعل، بل هي أساس إنساني لا يجوز المساومة عليه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى