
دغمر الجميلة بشواطئها الحالمة وتضاريسها الخلابة، و تراثها الضارب في جذور التاريخ، هنا توقفتُ تحت ظل شجرة غاف وافتَرشتُ رمالَها النقية على شاطئها الهلالي الرائع، أرحت فيها قليلاً، وإذا برجل يمشي تحت أشجار النخيل اليابسة ، اقتربتُ منه وسلمتُ عليه فاقترب مني أكثر وجلس بجانبي متكئًا على ساق شجرة غاف،تبادلت معه أطراف الحديث وأشار إلى بعض المزارع والنخيل المجاورة وسماها كما كانت تُسمّى قديمًا (طوي مُزنْجوه والجمد وسور أولاد مكومت) وهم من قبيلة الفوارس من ولاية صور .
أبهرني حديثه عندما قال أن هذا المكان كان في قديم الزمان مزدحمًا بالسكان وكان يطلق عليه (غاف السكر) .
واصل حديثه وكأنهُ يعيش في ذلك الزمان الغابر، ثم أسهب في التحدث عن أُناس وقبائل كانت تسكن هنا و ما زالت آثارهم شاهدة إلى يومنا هذا، ولكن بعض هذه القبائل انقرضت وبعضها هاجرت إلى مناطق أخرى.
سألتُه عن سبب تسمية غاف السكر بهذا الإسم ، فأشار إلى مجموعة من أشجار الغاف المعمرة وأضاف أن الناس هنا كانوا يملأون المكان.
أذهلني حديثه أكثر عندما ذكر بأن أهل غاف السكر كانوا ينقلون ويجمعون كميات كبيرة من قصب السكر من حيل الغاف ثم يتم نقلها عبر قوافل من الجمال والحمير إلى الشاطئ ، ثم تأتي السفن و تحمله و أشرعتها ترفرف ، وتمخرُ به عباب البحار إلى الصين و الهند و البصرة و دول أخرى َ، ومن أشهر السفن آنذاك كانت سفينة (الدغمرية) وكان يملكها أولاد مكومت.
تخيلتُ ذلك الزمان و تأملتُ القوافل و الباعة و المشترين والعابرين و المزارعين ، و تخيلت تلك السفن التي كانت تحملُ كميات كبيرة من السكر من قرية دغمر وحيل الغاف، كما عادت بي الذاكرة الى ساحل قريات الذي كان يُصدَّر منه كميات كبيرة من أسماك الكنعد المسمى بكنعد ولد سليم الذي كانت يصطاد بكميات كبيرة ويجفف ثم يصدر إلى أعالي البحار.
هنا استرجعتُ ما تعلمناه و قرأناه عن حضارة أجدادنا العمانيين و اهتمامهم بالتجارة و الزراعة و عشقهم للبحر والسفر ، لكن ها نحن اليوم لا نرى على ساحل غاف السكر إلا بعضاً من أعجاز نخل خاوية وأشجار الغاف التي ما زالت تقاوم عواصف البحر و أطلال من ألواح و بقايا سفن غمرتها الأمواج و حطمتها تجاعيد السنين.



