الثقافي

عُمان… شعب يكتب تاريخ الإنسانية

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

في كل أمةٍ لحظة فاصلة تُهدي البشرية بصمةً لا تُمحى: فاليونان أهدت الفلسفة، والهند أهدت الأرقام، وأوروبا الحديثة أهدت الصناعة. أما عُمان فقد أهدت الإنسانية ما هو أعمق: اللغة والأخلاق والحضارة المتوازنة.
الخليل… العقل العُماني الذي نظّم لسان الأمة
من بين جبال وِدام الساحل وسواحل المصنعة، وُلد الخليل بن أحمد الفراهيدي، الرجل الذي غيّر خريطة اللغة العربية، بل خريطة الفكر الإنساني كله. لقد وضع قواعد العَروض، فحوّل الشعر من ارتجالٍ إلى موسيقى محسوبة، وأبدع معجم العين، أول معجم صوتي في التاريخ، فأعاد رسم رحلة النطق البشري من الحلق إلى الشفتين.
هذا العُماني لم يكن لغويًا فحسب؛ كان عقلًا كونيًا وضع علمًا كاملًا بمفرده، كما لو أن الله ألهمه أن يحرس لغة القرآن لتبقى صافية في صدور مليارَي مسلم.

العُمانيون… بناة اللغة العابرة للقارات

لكن عُمان لم تُبدع في العلم وحده. فلقد حمل بحّارتها اللغة العربية كما يحمل الغيث زرع الحياة، حتى نزلوا سواحل إفريقيا الشرقية، وأرسوا في زنجبار ودار السلام ولامو وممباسا. وهناك لم يفرضوا سلطانًا ولا يستعبدوا بشرًا، بل زرعوا اللغة والأخلاق والتعاملات حتى اصبحوا قدوات من يراهم من الشعوب ، ولقد نمت من رحم العربية لغة جديدة: السواحلية !.
السواحلية اليوم لسان أكثر من مائتي مليون إنسان، لكنها ليست لغة دخيلة؛ إنها ابنة شرعية للعربية، مشبعة باللهجات العُمانية، بوقع العامية القحة نزوى وإبراء و الرستاق ونخل وعبري وبهلا والحمراء ونخل والمعاول المضيبي وسناو بل كل داخلية عمان ، وبلسان السواحل العُمانية التاريخية من سلوى الى رأس الحد ومن مصيرة ومحوت حتى ظفار ، ومن خلال نظر الزائر للعاصمة القديمة زنجبار وكأنها عُمان أخرى تنبض على الضفة الإفريقية.
ومنها وهنا أقصد اللغة العربية ومن خلال ابن المصنعة وودام الساحل الذي ضبط إيقاعاتها تسللت المفردات إلى الإسبانية والألمانية والإنجليزية والأوردية والفارسية ولغات أمريكا الجنوبية. لقد قدّم العُمانيون للعالم ما لا يراه الناس بوضوح: شريان لغوي عالمي يربط القلوب قبل الألسنة.

حضارة بلا ضجيج
تاريخ عُمان ليس استعمارًا ولا غزوًا ولا إمبراطوريات تقوم على الدماء، بل هو تاريخ الحضارة الصامتة:
• حضارة البحّار الأمين الذي يصل إلى الصين كما تشهد حولياتها القديمة التي كتبها أهل الصين .
• حضارة العماني الصادق الذي تطأ قدماه سواحل كولورادو قبل أن يسمع العالم بوجود أمريكا .
• حضارة المسلم الذي قال عنه النبي ﷺ: «لو أتيت عُمان ما سبّوك ولا ضربوك».
فأحبهم رسول الله، وأحبوه، وأخذوا على عاتقهم أن يكونوا سفراء الإسلام الخُلقي.

– [ ] إنه شعب يكتب التاريخ… بلا شعارات
ما ميّز العُمانيين عبر العصور أنهم لا يرفعون الشعارات، ولا يتغنّون بالبطولات، بل يتركون للتاريخ أن يتكلم عنهم. هم الذين أسسوا مراكز علمية في نزوى وصحار وصور، ونشروا المدارس في إفريقيا والهند، وربطوا الشرق الأقصى بسفنهم وكانوا الجسر الذي ربط العاصمة الجديدة بغداد زمن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور فهو من نقل العاصمة إلى بغداد، حيث أسسها عام 762 ميلادي لتكون عاصمة الدولة العباسية الدائمة، وأطلق عليها اسم “مدينة السلام.
نعم إن العمانيين هم من ربط الصين وحضارتها بالعالم الاسلامي والجزيرة العربية عبر صواريهم وخبراء الملاحة البحرية بلا منازع.
إن العمانيين هم من كتب صفحات المجد دون أن يطلبوا تصفيقًا من أحد.

– [ ] رسالة إلى العالم
اليوم، والعالم يبحث عن أممٍ تُعيد للإنسانية وسطيتها وتوازنها، يحق لنا أن نقول: عُمان نموذج.
• نموذج في العلم: حيث خرج منها الخليل وأقرانه.
• نموذج في الأخلاق: حيث كان الصدق والأمانة عنوان تجارتهم.
• نموذج في التعايش: حيث صهروا شعوبًا وقبائل في بوتقة واحدة من دون إلغاء أو قهر.
نموذج في التوسط بين الشعوب إذا ما تخاصمت.
وعليه، فإن توثيق حضور عُمان في اللغة السواحلية، وفي تاريخ الملاحة، وفي صفحات اللغة العربية، ليس ترفًا ثقافيًا، بل استحقاقٌ إنسانيٌ عالمي.

– [ ] خاتمة
عُمان ليست مجرد جغرافيا على خريطة الخليج، بل هي ضمير حضاري ممتد. ومن لا يعرفها، فليفتح كتب التاريخ، أو ليمشِ في شوارع زنجبار، أو ليسمع وقع السواحلية، أو ليتأمل بحور الشعر العربي… سيجد دائمًا هناك بصمة عُمانية.
سلامٌ على هذا الشعب… الذي كلما ذكره التاريخ، ازداد صمتُه مجدًا، وازدادت الإنسانية به جمالًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى