النصوص

عند الإشارة وجوه لا تُحصى

محمد الزعابي

عند الإشارة، مجتمع يوحي لنا بأشياء كثيرة، ثلاثة مقاهٍ تحاذي تلك الإشارة، التي يلفها صخب المارة، وصوت أبواق السيارات المختلط بعوادمها. يجلس بعض المرتادين خارجها رغم رطوبة الطقس، لكنهم مستمتعون بمشاهدة الناس.

أحدهم فتح حاسوبه، وفينةً يتأمل في كتاب. أقول في نفسي: ليتني أعرف مضمون ذلك الكتاب الذي أنهكه انهماكًا.

وعلى زاوية من المقهى، يجلس رجل يناهز الخمسين أو يزيد قليلاً، بهيئته المنمقة، يتلذذ باحتساء فنجان قهوته. تسريحة شعره نصفها أبيض، والنصف الآخر ما زال يبرق بسوادٍ يُوحي بشبابٍ لم يغادره.

تشير كثافة لحيته إلى أنه لا يزال يعطي الحياة ابتسامًا، ويرسمها لنا ملامحَ على وجهه الخالي من التجاعيد.

كانت الزحمة عند الإشارة غير طبيعية. انتابتني تساؤلات كثيرة، حين أطلقت نظري نحو زوايا المكان الذي حاولت توثيق لمسة بسيطة من أجزائه.

سيارات قديمة وحديثة تقف من حولي ،عن يميني، يساري، أمامي وخلفي. طائرة تحلّق فوقي، أزعجني هبوطها نحو المطار، وأنا واقف أنتظر الضوء الأخضر.

لحظةٌ وددت أن تطول، رغم الذين كانوا معي ربما كانوا ضدي لم يتأملوا مثلي تلك اللحظات التي وجدتها ممتعة.  ذاك الرجل أمامي شدني بموقفه، يوحي بأنه مستعجل لا أعلم ما سر العجلة التي يحملها معه؟

ربما أمرٌ طارئ يجعله متأهبًا بهذا الشكل، مقلقًا من أمامه ،ابنه يرفع إلي يديه مسلّمًا، لا يبالي بما حل بوالديه ،فبادلته ابتسامة حارة، لعلها تبرّد نفسية والده المتأججة.

بسرعة خاطفة، ألمح الشخص المحاذي لي على اليمين، يرفع صوت الموسيقى، يصفّق بيديه، وبجانبه صديقه يرقص على الأغنية الصاخبة ،أنحني برأسي قليلاً نحو اليسار، أرى سيارة دفع رباعي نوافذها معتمة،أنزل صاحبها الزجاج قليلاً.

دقيقتان فقط، لكنها كانت جزءًا من دراما اجتماعية حقيقية، كأني أشاهد فيلمًا واقعيًا على قناة ناشيونال جيوغرافيك. عادت بي هذه المشاهد إلى بداية رواية العمى، ذلك السقْم الذي أصيب به الرجل عند الإشارة، حتى نهاية الرواية التي لا يسعني ذكر فحواها.

تنوعت أمامي المشاهد أناسٌ يمشون صفًا منظمًا عند عبور المشاة، ينتقلون إلى الجهة الأخرى، والعكس ،عربة أطفال تجرها امرأة برفقة زوجها، وعمال يرتدون ملابس العمل، وطالب جامعي يحمل كتبه متجهًا نحو محطة الباصات ،خلفهم شخص يتمتم مع نفسه، وملابسه ممزقة ،ربما الحياة أعطته من كمدها حتى بلغ هذا الحال ،توقفت قليلًا.

شدّني الفضول، ففاض بعقلي أحدّق في المرآة الأمامية، تنعكس الرؤية على السيارة الحمراء خلفي، كانت تقودها أنثى، عكس أغلب المنتظرين عند الإشارة.

طالت نظراتي لها؛ بدت مستعجلة، ربما لم تلحق أن تضع أحمر الشفاه ،رأيتها تضعه وتضم شفتيها. استرقت النظر إلى بعض السيارات، كأنني طبيب نفسي، أحاول أن أقرأ في ذلك الصباح وجوه العالم عند الإشارة.

على بُعد سيارتين، شخص ملتحٍ يعتريه الهدوء أمامه سيارة فيها رجل متأنق، ربما تلك الفتاة التي بجانبه زوجته، منشغلة بهاتفها.

في أقصى اليمين، شاحنة صغيرة تحمل أثاث منزل، وفيها عمالة تجلس في القمرة، والنوافذ مفتوحة، والعرق يتصبب منهم. تتصاعد أصواتهم بلغات لا أفهمها.

وبعد قليل، اقتربت مني فتاة صغيرة، في عمر الزهور، من دولة مزقتها الحروب والصراعات. قالت لي:

– تفضل ماء.

لكن الأبواق بدأت تتصاعد فجأة، وكأن الناس تهرب من انفجار عظيم.

لم أستطع أن أتناول منها شيئًا ،توارت الطفلة تحت الجسر، وتوقف المشاة عن العبور، كأنهم ينتظرون حدثت مهما من السيارات ليمضي.

الإشارة لم تكن مجرد دقيقتين. بل كانت مزيجًا من الوجوه التي لا يُعرَف فحواها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى