النصوص

على تلال قرطبة …كان الوداع.

عبد العزيز الدهماني

سار بنا الحصان سريعًا، حتى إذا صرنا على التلّة وهو يجرّ العربة، نادى عليّ والدي:
«يا عبدَ الرحمن، حسبك».
فشدَدتُ على الحبل ليقف الحصان، فتوقّف. انتظرتُ والدي لعلّ له حاجةً يريدها، فمددتُ يدي إلى كتفه، فرأيت الدمع يسيل منه. وقبل أن أنطق بشيء، قال لي والدمع ينحدر على خدّه الذي ملأه الشيب، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26–27].
لقد استشهد والدي – رحمه الله – بهذه الآية، وأنا اليوم وقد بلغتُ من العمر أكثر من سبعٍ وأربعين سنة، ما زلتُ أتذكّر لحظة خروجنا من قرطبة. كان تصوّر والدي أبعد من تصوّري، وكانت دمعة الحسرة والحزن تملأ عينيه؛ إذ كان يعلم أن خروجنا إلى المغرب العربي هربًا من البطش ليس خروجَ سياحة، ولا رحلةً مؤقتة، بل كان متيقّنًا أنّه الوداع الأخير لمدينتنا الآسرة بجمال طرقها، ومساجدها، وصوت الأذان الذي كان يعلو في سمائها موحّدًا الله سبحانه، فيصل صداه إلى قمم الجبال.
تلك المدينة التي تربّينا فيها، وتعلّمنا فيها حروفنا العربية الفصيحة، المدينة التي اشتهرت بالموشّحات، كان الخروج منها خروج وداع لا رجعة بعده. توفّي والدي – رحمه الله – وكانت قرطبة تبكيه.
صحيح أنّ قرطبة ما زالت في قلبي، لكنها كانت في جسد والدي – رحمه الله – تجري مجرى الدم.
ما زلنا نبكي مجدًا لم نحسن رعايته وحمايته، ولم يبقَ من تلك الأيام الجميلة سوى شيئين: تلك الأشعار التي حفظناها عن جمال المدينة، نتذاكرها إذا تسامرنا، ولوحة في وسط جدار منزلنا تذكّرنا بحنيننا إلى تلك الديار الفاتنة.
 بالأمسِ قُمتُ على الزهراءِ أندبُهمُ … واليومَ دمعي على الفيحاءِ هتّانُ
أحمد شوقي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى