
كان يومًا من بداياته جميلاً، بهوائه اللطيف وصباحه الطيب. حرصت أن أكون منذ فجره عند البوابات الكبيرة للسوق.
توافد الناس جماعاتٍ إلى المداخل، يتبادلون التحيات، وما هي إلا برهة من الوقت حتى فُتحت البوابات، واندفع الناس إلى أرزاقهم.
تجوّلت بين جنبات السوق؛ هنا من ينادي على غلّة الفاكهة والخضار، وهناك من يعرض خنجرًا سَعِيديةً تزخرفها الفضة على جوانبها، ترى فيهم تصميم صانعة على ترك أثر إتقانه فيها ،فتلمع في عين المشتري.
مررتُ بالمحلات، فإذا بأحدها يفوح منه عبقُ اللبان العُماني الذي ملأ جنبات السوق. وبينما أنا كذلك استوقفني لبرهةٍ مسجدُ الشواذنة تأملت بناءه ومحرابهُ الذي أحسن عيسى بن عبدالله في نقش جمالهِ تنبؤك تلك النقوش بحقٍ بأنه قديم العهد بالبناء ،فقد كتب على حائطهِ بأنه ثاني مسجدٍ بنيَ في عمان ، وأنا هناك ألتقيتُ رجلاً يعلوه الشيب والوقار، ممتطِقًا خنجره وحزامه، وبيده عصًا من العتم، ينادي قائلًا:
“يا ولدي، أتشتري هذا العتم؟ فإن قيمته فيه!”
سألته عن سبب رفعه للسعر قليلًا، فقصّ عليّ كيف تسلّق الجبال باحثًا عنه بين الأشجار، يقطعه بعناءٍ وجهد، وكأنه يذكّرني بقول الشاعر:
ومن يتهيب صعود الجبالِ …. يعش أبد الدهر بين الحفرِ.
اشتريت تلك العصا بعد أن أيقنت بجودتها. وفي أثناء تجوالي، جذبتني قلعة نزوى التي تتوسط السوق والقرى، كأنها واسطة العقد، تحكي تاريخًا من البطولات العُمانية.
رفعتُ بصري نحو السماء أتأمل علوَّها الشامخ، وسألتُ عن الاثنتي عشرة سنةً التي بُنيت فيها، فعرفتُ أنها قصةٌ من الجهد والإصرار في الدفاع عن أرض نزوى الطيبة وتذكّرتُ حينها الحلوى العُمانية التي تشتهر بها نزوى، فقيل: من دخل نزوى، لا بد أن يتذوّق حلواها وتمورها. قضيتُ يومي بين زواياها وجنباتها، تتملكني الذكرى الجميلة، وخرجتُ وأنا أُنشد قول الشاعر هشام الصقري:
كلُّ حرفٍ في عُمان … غُصنُ حبٍّ مدَّ ظلَّهُ،
فافتحوا صدري ففيهِ… جبلٌ يحضنُ سهلَهُ.
هناكَ مدنٌ وقرى تسكن صميم القلب عندما تزورها ،تُلهمكَ وتجد فيها أن يومك يتنفس آيٍّ من الجمال والإبداع ، رحلتُ عنها تودعني بساتينها المُمتدة وبردُ نسائمها المنعشةُ إلى قلبي.



