مقالات

عالم الغيب والشهادة: بين أزلية الحق وفناء الخلق

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

في هذا الوجود العظيم… يقف الإنسان بين عالمين: عالمٍ لا يُرى… وعالمٍ يُرى، وعالمٍ لا بداية له ولا نهاية… وعالمٍ له بداية ونهاية، وهنا تبدأ الحكاية…

أولًا: الله… الأزلي الأبدي الذي لا حد لأزليته

الله سبحانه ليس كأي موجود…فهو واجد الوجود الذي خلق كل شيء لازم للوجود وما بعد ذلك يكون كل شيء ممكن الوجود كالبشر والجن والعوالم الاخرى من كائنات. بل هو الأول بلا ابتداء… والآخر بلا انتهاء

قال تعالى:﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾(الحديد: 3)

• الأول: لا شيء قبله، والآخر: لا شيء بعده

وقال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص: 88)

فهذه آية فاصلة: كل ما له بداية… له نهاية، إلا الله… فهو الحي الذي لا يموت

وقال: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 27)

فالأبدية الحقيقية ليست مجرد طول زمن…بل وجود لا ينقطع أصلًا.

ثانيًا: ملكه المطلق وهيمنته على الكون.

قال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ (البقرة: 255) وقال:﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (الزمر: 67)

ايها القاريء تأمل…

السماوات التي لا يُحاط بها…في هذا الكون الشاسع والذي لم يحصيه الخلق لإتساعه …تُطوى بيمينه سبحانه! فأين المتكبر؟ وأين صاحب المنصب؟ وأين من ظن أنه شيء؟

ثالثًا: عالم الغيب… لا يطّلع عليه إلا من ارتضى

قال الله: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ (الجن: 26-27)

هذه قاعدة كونية: الغيب محفوظ والعقل لا يخترقه والوحي وحده يكشف طرفًا منه

قال الإمام الغزالي: “العقل كالعين… والوحي كالنور… فلا تُبصر العين بلا نور”

فمن طلب الغيب بعقله ضل…ومن أخذه من الوحي اهتدى( القرآن)

رابعًا: عالم الشهادة… وهم الزمن القصير

هذا العالم الذي نعيش فيه… نختلف فيه… نتكبر… نتنافس…تصاب بالغرور ما حقيقته؟

قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (النازعات: 46)

وقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (الروم: 55)

أي أن الدنيا… بكل ما فيها ستبدو لحظة عابرة!

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (47)

قال ابن كثير: “يستقصرون مدة الدنيا حتى كأنها ساعة من نهار”

خامسًا: مأساة الإنسان… الغفلة والتعالي..

رغم هذا الوضوح…يقع الإنسان في أعظم خطأ: الغرور

قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ (العلق: 6-7)

ويبدأ الانحراف من هنا:  منصب ومال ونسب فيظن أنه أفضل من غيره…

سادسًا: إبليس… درس أزلي في خطر الكِبر

إبليس لم ينكر وجود الله…لكنه تكبر!

قال:﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ (الأعراف: 12)

فكانت النتيجة: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾

قال ابن القيم: “أول معصية عُصي الله بها في السماء هي الكبر” فكل متكبر… يسير على خطى إبليس دون أن يشعر

سابعًا: المفارقة العجيبة

• الدنيا لحظة،  والآخرة أبد، ومع ذلك: يتقاتل الناس على اللحظة…ويضيّعون الأبد!

خاتمة: نداء إلى القلب

يا ابن آدم…أنت تعيش بين عالمين: عالم الغيب: الحقيقة الكبرى وعالم الشهادة: الاختبار المؤقت، فلا تجعل المؤقت أصلًا…ولا تجعل الفاني غاية

تذكّر: من تواضع لله رفعه،  ومن تكبر قصمه الله

قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ (القصص: 83)

كلمة أخيرة

ليس العجب أن ترى متكبرًا…بل العجب أن يعرف الإنسان: أن الله يقبض السماوات بيمينه…ثم يتكبر على أخيه.

وإنه العجب الذي أراه في بعض الناس اذا ما أبتلي بجاه ما (مال، نسب،منصب…الخ)، تراه وكأنه اراد ان يجعل نفسه ملكاً من الملائكة ليطير إليهم في السماء فتخطفه الشياطين صيداً سهلاً بعذابها ، وحينها يدرك أنه لم يصل للملائكة فيرتقي أو أن يعود لسطح الأرض مع الناس …وبذلك ينقطع بلا عودة وقد انزلق الى الخسران المبين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى