ظفار تستعيد ذاكرتها في صلالة: 15 ورقة بحثية تكشف مسارات الحج وتاريخ الموانئ وصوت الرحالة
صلالة: التكوين

تتواصل أعمال ندوة “ظفار في ذاكرة التاريخ العُماني” في يومها الثاني، التي تُنظمها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، بالتعاون مع محافظة ظفار وتستمر حتى 16 سبتمبر الجاري، وسط حضور واسع من الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالشأن التاريخي، حيث شهدت الجلسات تقديم خمس عشرة ورقة بحثية ألقت الضوء على الجوانب المتنوعة من تاريخ محافظة ظفار، بما في ذلك طرق الحجاج والحياة الاجتماعية، والسياحة البيئية، والتطورات الاقتصادية، والنشاط البحري والملاحي، ودور الموانئ الظفارية في التجارة الإقليمية والدولية.
افتتحت الجلسة الأولى التي أدارها الدكتور سليمان المحذوري، بالورقة الأولى بعنوان “طريق الحج الظفاري والعادات المرتبطة به” قدمه الدكتور صالح بن سعيد الحوسني، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلط الباحث الضوء على الطرق البرية والبحرية التي سلكها الحجاج من ظفار عبر العصور، مبرزًا المحطات التي توقفوا عندها، والعادات والتقاليد المصاحبة للرحلة من الاستعداد وحتى العودة، وقد أوضحت الدراسة الأثر الحضاري والاجتماعي لهذه الرحلات، التي مثلت جسورًا للتواصل الثقافي والديني بين أهل ظفار والعالم الإسلامي.
فيما ناقش الدكتور علي بن سعيد البلوشي، من جامعة السلطان قابوس في ورقته “التكيف والاستدامة للظواهر الطبيعية في ظفار” أبرز الظواهر الطبيعية التي فرضها الموقع الجغرافي للمحافظة، مثل الأعاصير والزلازل والتنوع البيولوجي، مركزةً على سبل التكيف مع هذه التحديات من خلال الاستدامة والممارسات البيئية الحديثة، واستخدام نظم المعلومات الجغرافية لرصد وتحليل المخاطر.
من جانبها اعتمدت نجلاء بنت خلفان المانعية، معلمة دراسات اجتماعية، في الورقة الثالثة بعنوان “التطور الاقتصادي في ظفار (1906–1950م)” على الوثائق البريطانية لتتبع تطور الأنشطة الزراعية والصناعية والتعدينية، مشيرةً إلى الاهتمام المبكر باستغلال الموارد الطبيعية مثل المياه والمعادن، ومبرزًة دور هذه القطاعات في تعزيز التنمية الاقتصادية بالمحافظة خلال النصف الأول من القرن العشرين.
الملاحة البحرية
وركز الشيخ حمود بن حمد الغيلاني في “الملاحة البحرية وصناعة السفن في ظفار” على تاريخ الملاحة البحرية وصناعة السفن في المحافظة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، موثقاً أسماء السفن وأنواعها، وأدوار الموانئ الظفارية في التجارة الدولية، إلى جانب التعريف بالنواخذة وصنّاع السفن الذين كان لهم دور بارز في ربط ظفار بموانئ الخليج والهند واليمن وشرق إفريقيا.
واختتمت الجلسة الأولى بالورقة الخامسة بعنوان “دور موانئ ظفار في النشاط التجاري للمحيط الهندي (القرن 19 – منتصف القرن 20)” لأحمد بن خلفان الشبلي، وزارة التربية والتعليم، ركز الباحث على الدور الحيوي لموانئ مرباط وطاقة وريسوت وغيرها في التجارة البحرية، مستندً إلى وثائق تاريخية أبرزت حجم الحركة التجارية، وأنواع السلع المصدرة والمستوردة، والعلاقات الاقتصادية التي ربطت ظفار بمصر وبلاد الشام والهند وشرق إفريقيا.
الجلسة الثانية
كما شهدت الجلسة الثانية من فعاليات الندوة، التي ترأسها الدكتور حسين بن علي المشهور، تقديم مجموعة من الأوراق العلمية التي ناقشت محاور متعددة تتعلق بالسياحة البيئية، والحياة الاجتماعية، والوثائق التاريخية، إضافة إلى مواقع التراث العالمي في سلطنة عُمان. وقد تميّزت الجلسة بتنوع موضوعاتها التي جمعت بين التاريخ والثقافة والتنمية المستدامة.
السياحة البيئية
استهلت الجلسة بورقة للباحثة إلهام بنت عوض أوسنجلي من المديرية العامة للتربية والتعليم، بعنوان ” السياحة البيئية في محافظة ظفار نحو التنمية المستدامة” تناولت فيها إمكانات محافظة ظفار في مجال السياحة البيئية، مؤكدة أن المحافظة بما تزخر به من طبيعة خلابة وتنوع بيئي، تعد وجهة واعدة لتطوير هذا النوع من السياحة التي توازن بين الاستمتاع بالطبيعة والحفاظ عليها، مع تحقيق منافع اقتصادية للمجتمع المحلي. وقدمت الباحثة توصيات لدعم السياحة المستدامة في المحافظة بما يخدم التوجهات الوطنية.
في الورقة الثانية، ناقشت الدكتورة هيفاء بنت أحمد المعمرية من وزارة التربية والتعليم، في ورقتها “الحياة الاجتماعية في ظفار من خلال كتابي: جنوبي جزيرة العرب (1894-1895) لثيودر بنت والبلاد السعيدة لبرترام توماس (1930-1928)” الحياة الاجتماعية في ظفار من خلال كتابي الرحالة لثيودر بنت (جنوبي جزيرة العرب) ولبرترام توماس (البلاد السعيدة). وسلطت الضوء على تنوع العادات والتقاليد وأساليب المعيشة في ظفار مطلع القرن الماضي، مشيرة إلى اختلاف مناهج الرحالة في تناولهم لتاريخ المنطقة، الأمر الذي يعكس صورة غنية ومتعددة الزوايا عن الحياة الاجتماعية.
شاهد على الحياة
أما الباحث نبيل بن ماجد العبري من وزارة التربية والتعليم، فقد قدّم الورقة العلمية ” الوثائق الخاصة مصدرًا لتاريخ الحياة الاجتماعية والثقافية في ظفار (7 – 14ه / 13 – 20م)” حول الوثائق الوقفية باعتبارها مصدرًا أصيلًا لدراسة التاريخ الاجتماعي والثقافي في ظفار بين القرنين السابع والرابع عشر الهجري، وأوضح أن هذه الوثائق لم تقتصر على الجانب الديني، بل شكلت مرآة لحياة المجتمع، من خلال رصد قيم التكافل الاجتماعي، والأنشطة الاقتصادية، وإسهامات المرأة في المجال الوقفي.
أرض اللبان
واتخذ الدكتور يونس بن جميل النعماني من اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم، من “إدارة مواقع التراث العالمي في سلطنة عُمان”، وأرض اللبان بمحافظة ظفار نموذجًا. وأكد أن هذه المواقع تمثل إرثًا حضاريًا عالميًا يتطلب إدارة شاملة تضمن استدامته، كما أشار إلى التحديات التي تواجه صونه واستثماره في دعم السياحة المستدامة.
القيمة العالمية للبان
واختتمت الجلسة بورقة للباحث علي بن سالم الكثيري من المديرية العامة للتراث والسياحة، بعنوان “مواقع أرض اللبان” استعرض فيها القيمة العالمية الاستثنائية لمواقع أرض اللبان المُدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، وأبرزت الورقة المواقع الأربعة: البليد، خور روري (سمهرم)، وبار (شصر)، ومحمية وادي دوكة، باعتبارها شواهد حية على تجارة اللبان القديمة التي ربطت عُمان بالعالم، كما تطرقت إلى الجهود المبذولة في حماية هذا الإرث العريق، وتعزيز الوعي العالمي بمكانة سلطنة عُمان في التاريخ الإنساني.
اختُتم اليوم الثاني من أعمال الندوة بالجلسة الثالثة التي ترأّسها الدكتور عامر بن أزاد الكثيري، وشهدت تقديم مجموعة من الأوراق البحثية التي ألقت الضوء على تاريخ محافظة ظفار وأبعادها الحضارية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، من خلال عدسة الرحّالة الأجانب أو عبر دراسات توثيقية متخصصة.
ظفار في عيون الرحّالة
استُهلّت الجلسة بورقة للدكتور ياسر مصطفى عبد الوهاب بعنوان “حضارة ظفار في عيون الرحالة الأجانب أواخر العصور الوسطى”، ركّزت على ما سجّله كبار الرحالة مثل ماركو بولو وابن بطوطة وتشينغ خه وغيرهم حول موقع ظفار الاستراتيجي، وعادات أهلها وتقاليدهم، وما شكّلته تلك التدوينات من مصادر تاريخية أصيلة تعكس ملامح الحياة في أواخر العصور الوسطى، وقد اعتمدت الدراسة على منهج مقارن يسعى لمناقشة الإشكاليات المرتبطة بتجارة الجزية مع الصين، في ضوء شهادات المبشرين والرحالة.
الجوانب الاقتصادية والاجتماعية
ثم قدّمت الأستاذة أميرة بنت سليمان الحارثية ورقتها بعنوان “المجتمع الظفاري والجوانب الاقتصادية من خلال نماذج من كتابات وتقارير الرحالة الأجانب في القرنين التاسع عشر والعشرين”. ركزت الدراسة على مذكرات عدد من الرحالة مثل كروتندن وبرترام توماس وثيسجر وغيرهم، موضحة ما وثّقوه من تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية، بدءًا من وصف المدن والقرى والعادات واللباس، وصولاً إلى النشاط التجاري والزراعي وموانئ ظفار، وقد أبرزت النتائج التحولات التي شهدها المجتمع الظفاري عبر تلك الفترة من منظور خارجي مقارن.
ظفار في السرديات الأجنبية
أما الدكتور سالم بن حمد النبهاني، وزارة التربية والتعليم، فاستعرض في ورقته “ظفار (الأرض والإنسان) في الكتابات الأجنبية في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين”، خصوصية البيئة الطبيعية لظفار ومكانتها الاستراتيجية، وقد تناول المحاور الثلاثة الرئيسة: الكتابات القديمة التي سبقت العصور الحديثة، وما ورد في سرديات الرحّالة المعاصرين، ثم ما تضمنته التقارير الأجنبية من توثيق لأوضاع المحافظة وسكانها.
صلالة ومكانتها العلمية والحضارية
وجاءت الورقة الرابعة بعنوان “المكانة العلمية والحضارية لمدينة صلالة منذ القرن الأول وحتى الرابع عشر الهجري” للدكتور حسين بن علي المشهور باعمر، سلّط الباحث الضوء على مكانة صلالة كحاضرة علمية بارزة في ظفار، ودورها التاريخي كميناء تجاري مزدهر وبيئة خصبة للإسهامات الفكرية والعلمية، ضمن سياق النهضة الإسلامية التي جعلت من العلم محوراً للحياة.
التعليم في جبال ظفار
واختُتمت الجلسة بورقة الدكتور أحمد بن علي المعشني بعنوان “المعلمون الرُحَّل في جبال ظفار قبل 1970م: حملة النور في زمن الترحال”، تناولت الدراسة الدور الريادي الذي اضطلع به المعلمون والمعلمات الرحّل في نشر العلم والدين في ظل غياب المدارس النظامية، مؤكدة أثرهم في ترسيخ الوعي الديني والثقافي والتمهيد للنهضة التعليمية في المحافظة.
وبهذا الزخم البحثي، رسّخت الجلسة الثالثة حضور ظفار كفضاء تاريخي وإنساني غني، وكمركز حضاري استقطب الرحّالة والمستكشفين عبر العصور. وتبرز هذه الأوراق أهمية توثيق ذلك الإرث وإعادة قراءته في ضوء الدراسات الحديثة، بما يعزز من مكانة ظفار في الذاكرة العلمية والتاريخية والثقافية.










