السياحي

ظفار…. أرض اللبان

آمنة بنت محمد البلوشية

في أقصى الجنوب العُماني، عند النقطة التي يذوب فيها البحر في حضن الجبل، حيث تتكئ الشمس على صهوة الضباب، وتنام السهول تحت بطانية الغيم، تنهض ظفار كأنها قصيدة خرجت من فم الأرض لتُقال في حضرة الجمال المطلق.

هناك، لا تُقاس الأرض بخطوط الطول والعرض، بل بانحناءة الضوء على الأعشاب، وبالسكينة التي تلامس القلب قبل أن تمسّ الجسد. ليست ظفار مدينةً عابرة في الجغرافيا، بل زمنٌ متكرر على هيئة خريف، ومزاجٌ يتلبّس الطبيعة، فيتحول الكون إلى عرض سماويّ من سُحب متدلية، وندى يقبّل أوراق الأشجار كل صباح، وماء ينسكب بهدوء كما لو أنه خشوع.

مع أول أنفاس الخريف الظفاري، تتغير قوانين الأشياء. تنقلب الشمس إلى أنثى خجولة تتوارى خلف عباءة الغيم، يتحول الهواء إلى موسيقى لا تُعزف، بل تُحَس، وتغدو الأرض دفترًا أخضر، تكتب عليه السماء ما تشاء بلغة المطر.

في تلك اللحظات، لا يمكنك أن تمشي في صلالة أو سهل أتين دون أن تشعر أن الأرض تنبت مشاعر، لا نباتًا فقط. ترى الأبقار ترعى بهدوءٍ في المساحات المخملية، تسمع الأرض وهي تتنفس من تحت الغيم، ويصافحك الضباب كأنه سلام من السماء، ناعم، حنون، لا صوت له… لكنه يُقال.

وإن كان خريف ظفار هو قلبها النابض، فإن اللبان هو سرّها الأعمق، سفيرها العطِر الذي خرج من صمت الجبال، ليسافر في الزمن، ويعبر بالأرواح نحو الطُهر والدهشة. في أعالي جبال سمحان ورخيوت، تقف أشجار اللبان كأنها تحفظ سرًّا لم يُفصح عنه أحد. وحين يُشق جذعها، لا يصرخ الخشب، بل تدمع الشجرة قطراتٍ من الصمغ الأبيض، تُقطّر الزمن ذاته: شمسًا ومطرًا وغبارًا من ألف عام.

من وادي دوكة، كانت القوافل تخرج ذات زمان، محملة بأكياس الطِيب، تعبر صحارى الجزيرة، تمر باليمن، ثم الشام وفلسطين، ثم تمخر البحار نحو سواحل الهند ومرافئ الفراعنة. اللبان لم يكن مجرد عطر — بل طقس، طُهر، صلاة. يُوقد في المعابد، يُنثر في المراسم، وتُسقى به الأرواح كما تُسقى الأرض بالمطر. قيل عنه: رائحته تقربك من الله، وتُطهّر الهواء من الشيطان.

وفي سمهرم والبليد، مدينتين قديمتين من حجارة وبحر، لا تزال الجدران تحتفظ برائحة القوافل، وصدى الخطى التي عبرت دروب الطيب، تركت صمتها على الطين، ونقشت أسماءها بالضوء.

لا غرابة أن يكون أهل ظفار انعكاسًا لأرضهم: بسطاء كالماء، عميقون كالجبل، دافئون، كرمهم لا يُعلن، بل يُمارَس ببساطة الحياة. في المجالس، تُقدَّم القهوة ممزوجة بنَفَس اللبان، وتُبخر الغرف برائحته، لا ترفًا، بل استحضارًا للبركة، كما لو أن اللبان ليس زينة، بل حضور مقدّس. كلماتهم قليلة، لكن أعينهم تقول كل شيء. أصواتهم ناعمة، لكنها ترفع شأنك. وفي ابتسامتهم، شيء من هدوء البحر حين لا يثور.

من المغسيل، حيث الموج يعزف مقطوعته الأبدية، إلى عيون الماء المتفجرة من خاصرة الجبل، من الكهوف التي تسكنها الرهبة، إلى المراعي التي يسكنها الحُلم، من خيوط المطر الأولى، إلى آخر أنفاس الضباب — كل ما في ظفار يقول لك شيئًا لا يُترجم: توقّف، تنفّس، تذكّر أنك جزء من هذا الجمال، لا مجرد عابر.

فإذا زرت ظفار، لا تكن سائحًا… كن شاعرًا.

افتح قلبك كما تُفتح النافذة للنسيم، ودع عينيك تمتلئان بندى الخريف،

خذ قبضة من ترابها، وحبة من لبانها، واحتفظ بهما في قلبك. لأن ما يُؤخذ من ظفار لا يُوضع في الجيوب، بل يُخزن في الروح، ويظل معك… كلما اشتقت لرائحة المطر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى