
لاحظتُ عليها توتّرًا وقلقًا؛ لا، هذه ليست الإنسانة التي أعرفها، أين الابتسامة التي لا تفارق ثغرها؟ أين مزحتها وضحكتها؟ لماذا هذا الحزن في مقلتيها؟ اقتربتُ منها وسألتها ما بكِ؟ ردّت بهدوءٍ وتصنّع : لا شيء، قلتُ لها : كيف لا شيء وأنا أرى الحزن في وجهك؟ إنِّي أعرفكِ حين تكونين متضايقة من أمرٍ ما، أعرف ملامح وجهك، هيا فضفضي وتكلّمي، ستشعرين بالراحة، قالت : يا عزيزتي، لا يوجد شيء. لا تشغلي بالكِ بي، مجرّد أمرٍ عابر سيزول مع الوقت.
قلتُ لها: لكن ما أراه غير ذلك، فأنا أعرفكِ كما أعرف نفسي، ردّت : صدّقيني، لا يوجد شيء يستحق، أصررتُ عليها وهي تحاول أن تتهرّب من الإجابة، ومع إصراري انفجرتْ بصوتٍ يحمل بُحّة بكاء ونبرة صراخ تدلّ على مخزونٍ من الحزن : “لا أعلم ما بي، لكن ما أعرفه أنه يتجاهلني ويُخفي عني الكثير، كل شيء يفعله في الخفاء، ينسى أني شريكته في السرّاء والضرّاء، أتفاجأ بأمورٍ يُفترض أن أكون أوّل من يعلم بها، لكنني أكتشفها صدفةً من الآخرين، أنصدم وأتلعثم، فإذا سُئلتُ عنها لا أستطيع أن أقول إني لا أعلم؛ كيف أقول ذلك وأنا أقرب منهم إليه؟ ولا أستطيع أن أدّعي معرفتها لأنني لا أملك تفاصيلها ولا أستطيع البوح بما في خاطري له”، قلتُ لها : لماذا لا تواجهينه؟ لماذا تُبقين الأمر حبيس صدرك؟ الحوار أفضل حلّ، يريح الضمير ويُبعد الشكوك، ردّت : لا أستطيع، أخاف أن أزعله، قاطعتها قائلة : الحوار الهادف والمصارحة بين أيّ اثنين تعود بالنفع عليهما، أحدهما سيصحّح مساره، والآخر يصفو باله ويرتاح خاطره، فتعمّ السعادة بينهما، قالت بهدوء : أنا لا أريد شيئًا، فقط أريد أن أكون في الصورة، لا أتفاجأ بأشياء لا علم لي بها فأصدم بها، قلتُ لها : أختي وعزيزتي، أتفهّم شعورك، ولا زلتُ أقول إن المواجهة والحوار هما الحل. ابحثي عن الوقت المناسب والمكان المناسب وناقشيه.
قالت : لا، خلاص، انسَي الموضوع، وكأني لم أقل شيئًا، أخذت حقيبتها وغادرت، وتركتني أهوْجِس مع نفسي في سبب ما هي عليه، لم أجد تفسيرًا إلا أنها بحاجة إلى اهتمامٍ ومصارحة؛ لا تريد أكثر من ذلك، تخاف من زعل الطرف الآخر، وخوفها هو سبب ضيقها وكدر خاطرها، تمنّيتُ لو أنها سمعت نصيحتي وواجهت الأمر لترتاح، دعوتُ الله أن يبعد عنها كل ضيق، وأن يزيل همّها ويفرّج أمرها.


