صورة وذاكرة: 26 عامًا من العطاء : من تعييني الأول إلى استكمال إجراءات معلمي اليوم
حسين بن علي الدروشي

لقطة اليوم، ليست مجرد صورة فوتوغرافية، بل هي مرآة تعكس 26 عامًا من الزمن. في هذه الصورة، أقف مبتسمًا وسط وجوه شابة مشرقة، مجموعة من المعلمين والمعلمات الجدد، الذين يستعدون لخوض غمار مهنة التعليم النبيلة. سعادتي اليوم، وأنا أتابع فعاليات توثيق تعيينهم بعدسة كاميرتي وقلمي، لا تقتصر على مجرد أداء واجب وظيفي؛ إنها سعادة شخصية عميقة، تمتزج فيها مشاعر الفخر والحنين، وصدى لذكرى بعيدة، عندما كنت في نفس مكانهم تمامًا.
تعود بي الذاكرة 26 عامًا مضت، إلى ذلك اليوم الذي وقعت فيه عقد تعييني كمعلم رياضيات في ولاية صور. كان هذا العقد بمثابة بوابة عبور إلى عالم جديد، عالم لم أكن أعلم حينها كم سيحمل لي من تحديات وفرص، وكم سيصقل روحي ويشكل شخصيتي. أتذكر جيدًا ذلك الشعور، مزيجًا من القلق الطفيف ممزوجًا بفرح غامر وحماس لا يلين. كنت أرى في كل معادلة جبرية لوحة فنية تنتظر من يفك شفرتها، وفي كل طالب بذرة أمل تنتظر أن ترتوي بالمعرفة.
مرت السنوات كالحلم، تنقلت فيها بين أروقة التعليم، من معلم أول رياضيات، ثم مساعد مدير مدرسة، وصولًا إلى مدير مدرسة لسنوات عشر وأكثر. كل درجة وظيفية كانت بمثابة درس جديد، تجربة ثرية أضافت إلى خبراتي الكثير. في كل مرحلة، كنت أكتشف أبعادًا جديدة لمهنة التعليم، وأنها ليست مجرد نقل معلومات، بل صياغة عقول وبناء أرواح.
أتذكر في إحدى الحصص، عندما كنت معلمًا للرياضيات، كان هناك طالب يدعى أحمد، يجد صعوبة بالغة في فهم المعادلات الجبرية. بدا لي وكأنه ينظر إلى الأرقام كرموز غامضة لا معنى لها. جلست معه بعد الدوام، وسألته عن هواياته. أجاب بحماس أنه يعشق كرة القدم. فابتسمت، وقلت له: “تخيل أن الكرة هي المتغير (س)، والمعادلة هي طريقة لتسجيل الأهداف! عليك أن تحل اللغز لتعرف مكانها الصحيح في المرمى. كل خطوة في الحل هي تمريرة دقيقة نحو الهدف”. تحولت عيناه من الضياع إلى الشرارة، وبدأ يفهم. في تلك اللحظة، أدركت أن التعليم الحقيقي هو أن تربط المعلومة بعالم الطالب الخاص، أن تجعلها جزءًا من واقعه ليصبح التعلم مغامرة شيقة لا عبئًا.
بعدها بسنوات، عندما كنت مديرًا لإحدى المدارس، واجهنا تحديًا كبيرًا يتمثل في ارتفاع نسبة الغياب بين الطلاب. لاحظنا أن السبب الرئيسي كان شعور بعض الطلاب بالملل وعدم الارتباط بالبيئة المدرسية. قررنا حينها إطلاق مبادرة “الموهوبين الصغار”، حيث خصصنا حصصًا أسبوعية للطلاب لممارسة هواياتهم المفضلة كالموسيقى والرسم والخطابة والبرمجة. أتذكر همام، الفتى الخجول الذي كان بالكاد يتحدث في الفصل، وكيف تحول إلى نجم مسرحي في مجموعة الخطابة، يلوح يديه بثقة وهو يلقي قصيدة ألفها بنفسه. ارتفعت نسبة الحضور بشكل ملحوظ، وأدركت حينها أن المدرسة ليست فقط مكانًا للمناهج، بل حاضنة للمواهب ومصنع للشخصيات.
ولكن، شاءت الظروف الصحية أن تأخذني في مسار مختلف، مسار لم أكن أتوقعه في أشد أحلامي قسوة. بعد سنوات طويلة من العطاء في المدارس، أصابتني محنة قاسية، تمثلت في إصابتي بمرض السرطان، أبعده الله عنكم وشفى جميع من ابتلاه الله بعد محبة. كانت تلك التجربة بمثابة عاصفة هوجاء اجتاحت حياتي، غيّرت كل مفاهيمي وأولوياتي. لم أعد أستطع الاستمرار في العمل الميداني بالمدارس، فكان علي أن أترك هذا الحقل الذي أحببته لأنتقل إلى قسم العلاقات العامة والإعلام التربوي، الذي أصبح اليوم قسم التواصل والإعلام.
لم يكن الأمر سهلًا، فالفراق عن قاعات الدرس وضحكات الطلاب كان مؤلمًا، كأنني أُقتلع من جذوري. كنت أفتقد تلك اللحظات السحرية التي يتوهج فيها فهم الطالب لمفهوم جديد، أو تلك الابتسامة التي ترتسم على وجهه عندما يحل مسألة صعبة. لكنني وجدت في هذا المجال الجديد فرصة أخرى لخدمة التعليم، وإن اختلفت طبيعة العمل. فمن موظف إعلامي، وبفضل توفيق الله ودعم الزملاء، أصبحت رئيسًا لهذا القسم. هذه التجربة علمتني أن العطاء لا يقتصر على الفصل الدراسي، بل يمتد ليشمل كل زوايا المجتمع.
أتذكر حينها، عندما كنت في قاعة العلاج، وكيف كانت الرسائل من طلابي وزملائي تملاني بالقوة والأمل. كانت تلك الذكريات، وتلك الكلمات الطيبة، بمثابة نور في نهاية النفق المظلم. وعندما بدأت عملي الجديد في الإعلام التربوي، أدركت أن تجربتي مع المرض منحتني منظورًا جديدًا للحياة. أصبحت أرى أهمية الكلمة الطيبة، والصورة المعبرة، والرسالة الواضحة في بناء الوعي ودعم المجتمع. فكما كان عليّ أن أشرح المعادلة المعقدة لطالب، عليّ الآن أن أوضح الرؤية التربوية للعامة، وأجعلهم جزءًا من هذا المسعى العظيم، مع إبراز الجانب الإنساني والمعنوي في كل قصة تعليمية. لقد أصبحت مهمتي أن أكون صوت المعلم، ومرآة للمدرسة، وجسرًا يربط بين البيت والتعليم.
واليوم، بينما تتراقص أضواء عدستي على وجوه هؤلاء المعلمين والمعلمات الجدد، أرى فيهم خليطًا من المشاعر التي لطالما عرفتها. أرى الفرح الصافي الذي ينعكس في بريق عيون البعض، وكأنهم وجدوا ضالتهم في هذا الدرب النبيل، تمامًا كما شعرت أنا في يومي الأول. في المقابل، ألمح القلق في عيون البعض الآخر، قلق المجهول، وقلق المسؤولية الكبيرة التي تنتظرهم. هذا القلق يذكرني بليالي قضيتها في التفكير في كيفية إعداد درس شيق ومفيد، وكيف أتعامل مع الطلاب ذوي الاحتياجات المختلفة.
أتذكر معلما شابا، يدعى سالم، سألني اليوم وعيناه يملؤهما القلق: “كيف يمكنني أن أجعل جميع الطلاب في الفصل الكبير يستوعبون الدرس بنفس القدر؟” ابتسمت، وقلت له: “القلق طبيعي، سالم. لكنه وقود يدفعك للتحضير الجيد. تذكر أن كل طالب هو عالم بحد ذاته، ومهارتك تكمن في اكتشاف مفتاح عالمه. جرب التعلم التعاوني، قسم الطلاب إلى مجموعات صغيرة، ودع الأقوى يساعد الأضعف. ستندهش من النتائج، فليس هناك معلم أفضل من زميل يشارك نفس العمر والتحديات. كما أن التمايز في التعليم هو مفتاح النجاح. قدم نفس المعلومة بطرق مختلفة: شرح بصري، نشاط عملي، قصة، أو حتى أغنية. هكذا تصل إلى جميع أنماط التعلم”.
أما الحماس والقوة، فتلك الصفات التي تلمع في عيون فئة أخرى، وكأنهم مستعدون لاقتحام غمار التعليم بكل شغف وإصرار. هؤلاء يذكرونني بنفسي في مقتبل العمر، عندما كنت أرى في كل تحدٍ فرصة للإبداع والابتكار. التقيت بمعلم شاب يدعى عادل، كان يتحدث بحماس عن خططه لاستخدام الواقع الافتراضي لشرح مفاهيم الفيزياء المعقدة، وكيف سيأخذ طلابه في رحلة افتراضية إلى داخل الذرة أو إلى الفضاء الخارجي. هذا الحماس هو ما يدفع العملية التعليمية إلى الأمام، وهو ما يغرس حب التعلم في نفوس الطلاب، ويجعلهم يتطلعون إلى كل حصة دراسية كأنها مغامرة جديدة.
اليوم، بينما كانت الكاميرا الصغيرة بين يدي توثق كل لحظة، وكل وجه، وكل تفصيلة، شعرت بأنني جزء لا يتجزأ من هذه اللحظة التاريخية في حياة هؤلاء المعلمين الجدد. وأنا اوثق زيارة مدير عام المديرية العامة للتربية والتعليم بمحافظة جنوب الشرقية، المركز لمتابعة سير العمل. والذي يدل على حرص القيادة التربوية على دعم المعلمين وتذليل الصعاب أمامهم، ويؤكد على الأهمية القصوى التي توليها الوزارة لهذه الكوادر الجديدة.
لقد كانت الإجراءات دقيقة ومنظمة، بدءًا من تعبئة الاستمارات الإدارية، مرورًا بمطابقة المؤهلات الدراسية، وانتهاءً بالمقابلات الشخصية والفنية التي تركز على السمات الشخصية والكفايات والمهارات الضرورية للتدريس. كل هذه الخطوات تهدف إلى ضمان أن يكون المعلمون الجدد على أتم الاستعداد من النواحي الفنية والنفسية للانضمام إلى هذا السلك الشريف. أتذكر حينها أحد المعلمين الجدد، الذي كان يتحدث بحماس عن تجربته في تدريس الأطفال ذوي الإعاقة، وكيف أن هذه التجربة عززت من صبره ومرونته. وقال لي: “لقد تعلمت منهم أكثر مما تعلموا مني. إن الصبر والملاحظة الدقيقة هما مفتاح التواصل معهم، فلكل منهم طريقته الخاصة في التعلم والتعبير”. هذه الصفات هي جوهر نجاح المعلم، وهي التي تبني جسور الثقة والاحترام بين المعلم وطلابه.
في ختام الزيارة، أثنى المدير العام على جهود اللجان الإدارية والفنية، وهذا التقدير يعكس الروح التعاونية التي تسود العمل التربوي. وتمنياته بالتوفيق والسداد للمعلمين والمعلمات الجدد، دعوة صادقة من قلب تربوي يؤمن برسالة التعليم، ويقدر الدور المحوري للمعلم في بناء مستقبل الوطن.
إن هذه اللحظات التي عشتها اليوم، والتي وثقتها بكل حواسي، ليست مجرد صور على شاشة أو كلمات على ورق. إنها شهادة حية على استمرارية العطاء، وعلى أن حلم بناء الأجيال لا يتوقف. فكل معلم جديد هو بذرة أمل تزرع في أرض خصبة، تنتظر أن ترتوي بالمعرفة والحكمة لتثمر أجيالًا واعدة.
وإلى هؤلاء المعلمين والمعلمات الجدد، أقدم لكم بعض النصائح من تجربتي المتواضعة، راجيًا أن تكون لكم عونًا في مسيرتكم النبيلة:
• كل طالب هو عالم بحد ذاته. حاولوا فهم اهتماماتهم، هواياتهم، وحتى التحديات التي يواجهونها خارج أسوار المدرسة. على سبيل المثال، إذا كان الطالب يحب الرسم، يمكنكم ربط المفاهيم الرياضية أو العلمية بأمثلة فنية. هذا سيجعل التعلم أكثر متعة وذات صلة بحياتهم. لا تفترضوا أن ما يثير اهتمامكم يثير اهتمامهم بالضرورة.
• يتأثر الطلاب بشخصية المعلم أكثر من المنهج. اظهروا لهم الاحترام، الاستماع الفعال، والصبر. تذكروا دائمًا أن كلمة تشجيع واحدة قد تغير مسار حياة طالب. كن مرآة يرون فيها أفضل نسخة من أنفسهم.
• العقول الشابة تتعلم من خلال القصص والتجارب. بدلاً من مجرد سرد المعلومات، ارووا قصصًا توضح المفاهيم. في حصة التاريخ، لا تكتفوا بذكر الأحداث، بل ارسموا صورة حية للشخصيات والظروف، وكأنكم تحيون الماضي أمام أعينهم. هذا يجعل التعلم حيًا ومثيرًا.
• شجعوا طلابكم على المثابرة والاجتهاد، حتى لو لم تكن النتيجة مثالية. كافئوا المحاولات والتقدم، حتى الصغير منها. هذا يبني لديهم الثقة بالنفس ويقلل من خوفهم من الفشل. علموهم أن السقوط جزء من التعلم، وأن النهوض هو الإنجاز الحقيقي.
• أحيانًا يكون أفضل درس تقدمونه هو الاستماع بانتباه لمخاوفهم وأفكارهم. عندما يشعر الطالب بأنه مسموع، فإنه ينفتح على التعلم أكثر.
•المدرسة هي مجتمع صغير. تعاونوا مع زملائكم، شاركوا الأفكار والخبرات. إذا واجهتكم مشكلة، لا تترددوا في طلب المساعدة أو تقديمها. روح الفريق هي سر نجاح أي مؤسسة تعليمية.
• المعلمون ذوو الخبرة هم كنوز معرفة. استمعوا لنصائحهم، واسألوهم عن تجاربهم. لا تخجلوا من الاعتراف بأنكم بحاجة إلى التعلم. التواضع في طلب المعرفة هو أولى خطوات التميز.
• شاركوا في الأنشطة المدرسية، والمناسبات الاجتماعية مع الزملاء. العلاقة الطيبة مع الزملاء تجعل بيئة العمل أكثر إيجابية ودعمًا. تذكروا أن الكتف بالكتف يسهّل أعباء العمل ويزيد من فعاليته.
• ركزوا على الجوانب الإيجابية، وقدموا الملاحظات البناءة بطريقة محترمة ومباشرة.
• عالم المعرفة يتطور باستمرار. اقرأوا الكتب، شاركوا في الدورات التدريبية وورش العمل. على سبيل المثال، إذا كنتم معلمو لغة عربية، ابحثوا عن أحدث طرق تدريس النحو والصرف بطريقة مبتكرة، أو استكشفوا أدوات رقمية تفاعلية لجذب الطلاب. اجعلوا التعلم جزءًا لا يتجزأ من روتينكم اليومي.
• بعد كل حصة، خصصوا وقتًا للتفكير فيما سار بشكل جيد وما يمكن تحسينه. اسألوا أنفسكم: “هل وصلت المعلومة بفاعلية؟ ما الذي كان يمكنني فعله بشكل أفضل؟” هذا التأمل الذاتي هو مفتاح التطور والنمو المهني.
• تابعوا المعلمين المتميزين على وسائل التواصل الاجتماعي، اقرأوا عن التجارب التعليمية الناجحة حول العالم. يمكن أن تكون هناك استراتيجيات مبتكرة في دول أخرى يمكن تكييفها لتناسب بيئتكم. لا تخافوا من التجريب والابتكار.
• تذكروا أن صحتكم هي أساس عطائكم. لا تترددوا في أخذ فترات راحة، وممارسة الأنشطة التي تجدد طاقتكم. فالإرهاق يؤثر سلبًا على أدائكم وقدرتكم على التواصل بفاعلية. اعتني بجسدك وعقلك، فهما أدواتك الرئيسية في هذه المهنة العظيمة.
• في عصرنا هذا، أصبحت التكنولوجيا أداة لا غنى عنها. تعلموا كيفية استخدام اللوحات التفاعلية، التطبيقات التعليمية، ومنصات التعلم عن بعد. هذا لا يجعل الدروس أكثر جاذبية فحسب، بل يوسع آفاق التعلم للطلاب.
ختامًا، ارجو من كل قلبي للمعلمين والمعلمات الجدد كل التوفيق في مسيرتهم التعليمية. تذكروا أنكم تحملون أمانة عظيمة، وأن كل جهد تبذلونه في سبيل تعليم أبنائنا سيعود بالنفع على وطننا الغالي. اجعلوا شغفكم بالمعرفة نورًا يضيء دروب طلابكم، واجعلوا إيمانكم بقدراتهم جسرًا يعبرون به إلى مستقبل مشرق. كونوا القدوة، كونوا الملهمين، كونوا بناة الأمل. فأنتم اليوم، وبعد 26 عامًا، ستتذكرون هذا اليوم، كما أتذكره أنا اليوم، يوم انطلاق رحلة عظيمة، رحلة معلم.



