
وجدتُها صدفةً بين دفاتر قديمة، صورة صغيرة باهتة، لا إطار لها ولا تاريخ مكتوب خلفها.
مجرد ورقة فوتوغرافية فقدت بريقها، لكن العجيب أنها بدت وكأنها لا تريد أن تُرى.
كلما نظرتُ إليها، شعرت أنها تهرب من عينيّ، كأنها تخجل من نفسها أو تخشى أن تُفضَح.
في الصورة، يظهر طفل يقف عند باب خشبي.
مظهره مألوف حدّ الألم، لكن ملامحه غائمة.
كلما دققت، بدا لي أنه أنا.غير أن العينين لا تكتملان، والابتسامة نصفها فقط واضح. قلت في نفسي: أي نوع من الصور هذه التي تختفي من داخلها؟
أخذت الصورة إلى أمي.
نظرت إليها طويلاً ثم قالت: هذه التُقطت في يوم عاصف.
لم تكن راضيًا عن التصوير، ركضت واختبأت خلف الباب.
لكن المصوّر التقطك على عجل، فخرجت مبتورًا.
ابتسمتْ وأضافت: أحيانًا الصور تحمل طبع من يُصوَّر،
فأنت أردتَ أن تهرب، فهربت صورتك معك.
تركت الصورة على الطاولة، لكنها لم تتركني.
في الليل، كنت أستيقظ فأشعر أنها تراقبني.
لا بملامح واضحة، بل بغيابها ذاته.
كأنها تسألني: هل عرفتَ نفسك؟
كنتُ أشيح بنظري عنها، فأحسّ أنني أخون جزءًا من طفولتي.
مع مرور الأيام، صرتُ أراها رمزًا لكل ما لم يكتمل في حياتي: الأحلام التي بدأت ولم تُتمَّ، الكلمات التي انقطعت في منتصف الجملة، العلاقات التي توقفت قبل أن تصير حبًّا،
وحتى الطرق التي سلكتها ثم عدت منها بلا نهاية.
كانت الصورة مرآة ناقصة، تكشف أنني أيضًا أحيانًا أهرب من نفسي.
أحضرت إطارًا صغيرًا ووضعتها فيه.
علّقتها على الجدار قرب مكتبي.
من يراها يظنها صورة تافهة لا قيمة لها.
لكنني حين أنظر إليها، أرى أكثر مما يُرى:
أرى صبيًا لم يجرؤ أن يواجه العدسة،
ورجلًا لا يزال يختبئ أحيانًا خلف الأبواب.
اليوم، حين تسألني ابنتي: بابا، لماذا هذه الصورة ضبابية؟
أجيبها: لأن بعض الصور تتعلم من أصحابها كيف تهرب.
لكنها، رغم ذلك، تبقى أكثر صدقًا من الصور الواضحة.



