إسدال الستار في صلالة على ندوة «ظفار في ذاكرة التاريخ العُماني»… توصيات تعزز البحث والتوثيق
صلالة: التكوين

أسدل الستار بولاية صلالة على فعاليات ندوة “ظفار في ذاكرة التاريخ العُماني” التي نظمتها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية على مدى ثلاثة أيام، وشهدت الندوة مشاركة واسعة من نخبة الباحثين والمؤرخين والمهتمين، تخللت الندوة جلسات علمية ثرية ناقشت تاريخ المحافظة وحضارتها عبر العصور، بدءًا من النقوش واللغات القديمة وصولًا إلى حضورها في الأدب والصحافة العربية الحديثة. رعى حفل الختام سعادة الدكتور أحمد بن محسن الغساني، رئيس بلدية ظفار، حيث تم تكريم الباحثين المشاركين.
توزعت أوراق اليوم الختامي على جلستين تناولتا قضايا بحثية متعمقة، وقد عكست هذه الأوراق ثراء الإرث اللغوي والثقافي والتاريخي لظفار، من المعابد الدينية ومشاريع الاستدامة في المواقع التراثية، إلى جهود البعثات الأثرية وبواكير الخدمات الصحية الحديثة، لتشكل في مجملها إضافة معرفية رصينة تعزز الدراسات الأكاديمية وتربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
نقوش ظفار وبدايات الكتابة العربية
قدّمت الأستاذة الدكتورة أسمهان بنت سعيد الجرو، أخصائية دراسات تاريخية بمتحف عُمان عبر الزمان، ورقتها بعنوان “دراسة تحليلية لنماذج من الأسماء البسيطة والمركبة في نقوش ظفار: نحو فهم أعمق لبدايات اللغة العربية المكتوبة”. تناولت الدراسة كشف أسرار النظام الكتابي الفريد لنقوش ظفار بعد عقود من الغموض، مبرزة أهميتها في تتبع تطوّر اللغة العربية وعلاقتها باللغات السامية الأخرى. وقدمت قراءة علمية مدعومة بتحليل لغوي مقارن، تسهم في فتح آفاق جديدة أمام دراسات تاريخ اللغات.
أما الدكتور أحمد بن محمد الرمحي، أستاذ اللغويات المشارك بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الشرقية، فاستعرض في ورقته “لغات ظفار في مصادر التراث العربي” ما أشار إليه التراث العربي من إشارات دلالية وصوتية إلى العربية الجنوبية، مبرزًا أثرها في المشهد اللغوي والتاريخي، ومؤكدًا على ضرورة صون هذا الثراء اللغوي. ركزت الدراسة على المحاور الجغرافية والدلالية والصوتية، بما يبرز خصوصية البيئة اللغوية لظفار وعراقتها.
اللغات العربية الجنوبية المعاصرة
وفي سياق معاصر، قدّم الدكتور عامر بن أزاد الكثيري، محاضر أول لغة عربية، جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بصلالة، ورقته “اللغات العربية الجنوبية المعاصرة في سلطنة عُمان وعلاقتها بالأسرة اللغوية”، سلطت الدراسة الضوء على الخصائص الصوتية والصرفية لهذه اللغات، وارتباطها باللغات السامية الأخرى، مبرزة استقلاليتها كفرع متميز. واعتمد الباحث على المنهج التاريخي المقارن مدعومًا ببحوث ميدانية ونماذج تصنيفية حديثة، ليوفر رؤية أكاديمية متكاملة عن مكانة هذه اللغات في التطور التاريخي للغات المنطقة.
وانتقل النقاش إلى البعد الأدبي والثقافي، حيث عرض هلال بن سيف البادي، نائب مدير دائرة التواصل والإعلام، بجامعة السلطان قابوس، ورقته بعنوان “ظفار حالة سردية في الأعمال المسرحية: نصوص آمنة الربيع أنموذجًا”، ناقشت الورقة حضور المكان الظفاري في النصوص المسرحية بما يحمله من حكايات وأساطير وفولكلور، وكيفية توظيفه في بناء عوالم تخييلية ثرية. ركزت الدراسة على تحليل العناصر السردية في نصوص آمنة الربيع بوصفها نموذجًا للإبداع المتجذر في تراث المكان.
واختتمت الجلسة بورقة الأستاذ عماد بن جاسم البحراني، مدير دائرة مصادر المعلومات الحضارية بوزارة الثقافة والرياضة والشباب، بعنوان “أخبار ظفار في الصحافة والمجلات العربية (1880–1975م)”، أوضحت الدراسة دور الصحافة كمصدر أولي لتوثيق التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في ظفار خلال مرحلة مفصلية من تاريخها. وقسم الباحث التغطية إلى ثلاث مراحل: بدايات الصحافة العربية، رصد التطورات الداخلية، ثم متابعة الصراع في ظفار، مسلطًا الضوء على طبيعة التغطية الإعلامية العربية وأثرها في تشكيل الوعي تجاه المنطقة.
استُهلّت الجلسة الثانية من الندوة بورقة أكاديمية لامست عمق الموروث الحضاري لمحافظة ظفار، حيث قدّم الأستاذ الدكتور خالد أحمد دغلس، أستاذ في قسم الآثار بجامعة السلطان قابوس، ورقته بعنوان “الدلالات الثقافية لمعابد خور روري – سمهرم في محافظة ظفار”، تناولت الدراسة المكتشفات الأثرية التي أظهرت وجود معبدين، أحدهما داخل أسوار المدينة والآخر خارجها، في دلالة معمارية وثقافية على طبيعة المعتقدات الدينية السائدة. ركز الباحث على وظيفة المعابد ودورها في تشكيل النظم الاجتماعية والاقتصادية، من خلال منهجية تحليلية وميدانية تجمع بين نتائج التنقيبات والدراسة النظرية، وصولاً إلى فهم أعمق للتركيبة الاجتماعية لمجتمع سمهرم في القرون الأولى الميلادية.
مرباط: استدامة التراث واستثماره
أما الدكتور زكريا طعمة قضاه، خبير هندسة ومحاضر بقسم الهندسة، بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط، فقدّم ورقته بعنوان “حصن وسوق وفرضة مرباط ومحيطها – الاستدامة والاستثمار”، بحثت الدراسة مشروع إعادة ترميم وتأهيل هذه المعالم التراثية بهدف توظيفها سياحياً وثقافياً، بما يعزز الاستدامة المعمارية ويرتبط برؤية عُمان 2040. وطرحت الورقة تصوراً لاستثمار الحصن كمتحف ومعرض للحرف، والسوق بوظيفته التقليدية، والفرضة كمقهى ومطعم، مع استغلال الساحات المحيطة للأنشطة المجتمعية. وقد أكدت الدراسة على دور التراث العمراني في دعم الاقتصاد المحلي وصناعة السياحة الثقافية.
برنامج البعثات الأثرية ودوره البحثي
من جانبه، تناول علي بن حمود المحروقي، مدير المسوحات والتنقيبات الاثرية، بوزارة التراث والسياحة في ورقته “برنامج البعثات الأثرية بوزارة التراث والسياحة ودوره في تعزيز البحث الأثري بمحافظة ظفار” الدور المحوري لهذه البعثات في توثيق التراث الوطني، وتعزيز التعاون مع الجامعات والمؤسسات الدولية، أوضحت الورقة إسهام البعثات في اكتشاف مواقع جديدة وإثراء السجل الوطني، ورفد ملفات تسجيل المواقع العُمانية في قائمة التراث العالمي لليونسكو. كما أبرزت أهمية هذه الجهود في رفع الوعي المجتمعي وتعزيز الهوية الوطنية من خلال الكشف عن الجذور الحضارية لعُمان.
بدايات الخدمات الصحية الحديثة في ظفار
واختُتمت الجلسة بورقة الدكتورة أمل بنت سيف الخنصورية، مشرفة تاريخ بوزارة التربية والتعليم، بعنوان “بواكير الخدمات الصحية الحديثة في ظفار في القرن العشرين”، سلطت الدراسة الضوء على الأوضاع الصحية في ظفار خلال النصف الأول من القرن العشرين، متتبعة دور الإرسالية الأمريكية العربية والأطباء الأجانب مثل الدكتور ستورم والدكتور ويلز طومس، حتى افتتاح مستشفى صلالة عام 1972 الذي شكّل نقطة تحول بارزة. ركزت الورقة على ندرة الدراسات في هذا المجال، وأهمية توثيق الممارسات الطبية المبكرة، ودورها في تمهيد الطريق أمام الخدمات الصحية الحديثة بالسلطنة
ألقى الدكتور عامر بن أزاد الكثيري، محاضر لغة عربية بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بصلالة كلمة المشاركين في ندوة “محافظة ظفار في ذاكرة التاريخ العُماني”، حيث عبّر عن شكر وامتنان الباحثين للمشاركين والمنظمين، مؤكدًا أن الندوة لم تكن مجرد أوراق بحثية، بل رحلة في الذاكرة الوطنية كشفت عن الكنوز المكنونة في الوثائق والمخطوطات، وأظهرت الدور الحضاري والتاريخي البارز لمحافظة ظفار.
وأشار إلى أن ظفار كانت ولا تزال أرض اللبان والعراقة وبوابة الحضارات، ومركزًا للتواصل التجاري والسياسي والثقافي، وأن الحفاظ على التراث الوطني ودراسته مسؤولية وأمانة تاريخية تُسهم في مواجهة تحديات الحاضر وصياغة المستقبل.
كما ثمّن جهود هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية والقائمين على الندوة، مشيدًا باختيار محافظة ظفار لاحتضان هذا اللقاء العلمي، ومعربًا عن أمل المشاركين في استمرار مثل هذه الملتقيات التي تفتح آفاقًا جديدة للمعرفة وتعمّق الوعي بالتاريخ العُماني.
أوصت الندوة العلمية محافظة ظفار في ذاكرة التاريخ العُمان التي نظمتها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، في ختام أعمالها اليوم بعدد من التوصيات؛ قدمها الدكتور طالب بن سيف الخضوري، مدير عام البحث وتداول الوثائق، من بينها:
– التأكيد على أهمية تعزيز البحث العلمي متعدد التخصصات في دراسة تاريخ محافظة ظفار وحضارتها، من خلال دمج جهود المؤرخين وعلماء الآثار والجغرافيين واللغويين والأنثروبولوجيين.
– تعزيز العمل على جمع وترجمة ونشر الوثائق والدراسات الأجنبية المتعلقة بتاريخ سلطنة عمان وحضارتها.
– مواصلة رقمنة وأرشفة الوثائق والمخطوطات والصور التاريخية المتعلقة بمحافظة ظفار.
– توظيف التقنيات الناشئة لعرض تاريخ محافظة ظفار بشكل خاص والتاريخ العُماني بشكل عام.
– تشجيع المواطنين على تسجيل وثائقهم ومخطوطاتهم التي ترصد جوانب مختلفة من تاريخ محافظة ظفار، وحث أفراد المجتمع على ىتسجيل رواياتهم الشفوية لدى هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية.
– تشجيع التعاون الدولي مع المؤسسات والمنظمات الدولية المتخصصة في التراث والثقافة، للاستفادة من الخبرات العالمية في حفظ تاريخ محافظة ظفار وتوثيقه.
– تنفيذ برامج توعوية في المدارس والمجتمع المحلي لتعزيز الهوية الوطنية.
– إيلاء المزيد من الاهتمام بدراسة اللغات العربية الجنوبية القديمة والمعاصرة، والعمل على ترجمة الأعمال الأصيلة.
– نشر البحوث العلمية التي قدمت في الندوة في السلسلة التاريخية والحضارية للمحافظات والمدن العُمانية، التي تصدرها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية.
ختاماً يتوجه المشاركون بالشكر والتقدير والعرفان للمقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم على عنايته ورعايته واهتمامه بالتراث الوطني وإيلائه العناية والدعم حول دور هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنيةبعدّها ذاكرة وطنية لسلطنة عمان سائلين الله جلت قدرته أن يحفظ سلطنة عمان وأن تمضي قُدُما في مسيرة نهضتها المباركة تحت قيادة جلالته حفظه الله ورعاه.










