الثقافي

صمتٌ أبلغُ من ألفِ حديث

حسين بن علي الدروشي

أعلمُ أنّ الإنسانَ أحيانًا يصلُ إلى مرحلةٍ لا يقوى فيها على الحديث. مرحلةٌ تغلّفهُ فيها غشاوةٌ من التعبِ المُتراكمِ، أو بقايا عتابٍ لم يجدْ سبيلًا للخروجِ، أو حتّى، وهو الأصعبُ والأكثرُ إيلامًا، يمنعهُ “لا شيء”. ذاك “اللاشيء” الذي يتخفّى خلفَ ستارٍ من السكونِ الظاهريّ، هو في حدّ ذاتهِ تراكماتٌ لأشياءَ عديدةٍ، تكادُ تنفجرُ من فرطِ كتمانها، إلى أن تتحوّلَ إلى “لا شيء” كبيرةٍ تبتلعُ كلَّ ما حولها.

ذاك “اللاشيء” هو بقايا قصصٍ لم تُروَ، وحكاياتٍ لم تُكتملْ. هو حبٌّ انتهى دونَ حديثٍ، دونَ كلمةٍ واحدةٍ تشرحُ لماذا اضمحلّتْ شمسهُ، أو لماذا غابتْ نجومهُ. هو عتابٌ ظلَّ حبيسَ الأعماقِ، يتآكلُ فينا يومًا بعدَ يومٍ، يُرسّخُ جراحهُ دونَ أن يجدَ متنفسًا للخروجِ. دموعٌ حُبستْ في أجوافنا، جفّتْ في مجاريها قبلَ أن تجدَ طريقًا إلى الخدودِ، لتختلطَ بملحِ الصمتِ المريرِ. واشتياقٌ عصرَ أحشاءنا، لوّى أفئدتنا، جعلَ الروحَ تتوقُ لمن غابوا دونَ أن تستطيعَ البوحَ بأيّ حرفٍ. كلُّ هذهِ المشاعرِ الجياشةِ، عندما تُكتمُ، تتحوّلُ إلى كتلةٍ صلبةٍ من الصمتِ، كتلةٍ لا يمكنُ تفكيكها إلا بجهدٍ جهيدٍ، أو ربما لا يمكنُ تفكيكها أبدًا.

تبدأُ حياتنا ونحنُ أطفالٌ، نحاولُ فهمَ كلِّ شيءٍ من حولنا. نسألُ عن كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، نُسمّي الأشياءَ، نُعلّقُ على الأحداثِ، ونبحثُ عن إجاباتٍ لكلِّ سؤالٍ يطرأُ على أذهاننا الغضّةِ. تتوقُ أفواهنا للحديثِ في كلِّ شيءٍ، عن الدهشةِ التي نراها في عيونِ أمهاتنا، عن الفرحِ الذي نلمحهُ في لعبةٍ جديدةٍ، عن الخوفِ الذي يتسلّلُ إلى قلوبنا من الظلامِ. نعتقدُ أنّ الحديثَ هو مفتاحُ الفهمِ، وأنّ الكلماتِ هي الجسورُ التي نصلُ بها إلى الآخرينَ، وإلى ذواتنا.

لكنّ الحياةَ تُعلّمنا دروسًا قاسيةً، بعضُها بصوتٍ عالٍ وصريحٍ، وبعضُها الآخرُ بصمتٍ مدوٍ. نمضي في دروبها، تتراكمُ التجاربُ، تتوالى الصدماتُ، وتتتالى الخيباتُ. نُدركُ أنَّ كلَّ ما فهمناهُ ليسَ بالضرورةِ هو الحقيقةُ المُطلقةُ، وأنَّ لكلِّ فهمٍ، فهمٌ آخرُ أعمقُ وأكثرُ تعقيدًا. نُدركُ أنَّ بعضَ الحقائقِ قاسيةٌ جدًا لدرجةِ أنَّها لا تُحتملُ، وأنَّ بعضَ الكلماتِ، حتى لو كانتْ صادقةً، يمكنُ أن تُسبّبَ جروحًا لا تلتئمُ.

ثمّ ينتهي بنا المطافُ، بعدَ كلِّ هذا السعيِ المحمومِ للفهمِ والحديثِ، محاولينَ النجاةَ من فهمنا ذاتهِ. نُدركُ أنَّ بعضَ الفهومِ ثقيلةٌ على الأرواحِ، مُرهقةٌ للقلوبِ، ومُدمّرةٌ للأفئدةِ. نُحاولُ التملّصَ من عبءِ المعرفةِ التي تُلقيها علينا الحياةُ، نُحاولُ أن ننسى ما فهمناهُ، أو على الأقلّ، أن نصمتَ عنهُ.

وهنا يأتي التحوّلُ. يتحوّلُ الحديثُ المُعلّقُ في حناجرنا، الذي كانَ ذاتَ يومٍ يناضلُ للخروجِ، إلى صمتٍ طويلٍ، إلى صمتٍ رهيبٍ. صمتٌ لا يعني عدمَ وجودِ شيءٍ نقولهُ، بل يعني وجودَ الكثيرِ جدًا، لكنّهُ باتَ ثقيلًا على اللسانِ، أو ربما باتَ لا يُفيدُ قولهُ. صمتٌ يُخبّئُ خلفهُ ألفَ قصةٍ لم تُروَ، وألفَ دمعةٍ لم تُذرفْ، وألفَ كلمةٍ لم تُقالْ.

هذا الصمتُ ليسَ ضعفًا، بل هو في كثيرٍ من الأحيانِ قوّةٌ. قوّةٌ على التحمّلِ، على الصمودِ، على العيشِ معَ الأسرارِ الداخليةِ التي لا يفهمها أحدٌ سوانا. هو ملاذٌ أخيرٌ للروحِ المُنهكةِ، التي وجدتْ في السكونِ ملاذًا من صخبِ العالمِ وصخبِ الذاتِ.

إذا ما سُئلنا عن سببِ هذا الصمتِ، عن سببِ هذا الانسحابِ من عالمِ الكلماتِ، أجبنا بتلقائيةٍ، وكأنّها الإجابةُ الوحيدةُ المُتاحةُ لنا: “لا شيء”. كلمةٌ صغيرةٌ، لكنّها تحملُ في طياتها بحورًا من المعاني، ودهاليزَ من الألمِ، وكنوزًا من الحكمةِ المُكتسبةِ بصعوبةٍ. “لا شيء” تختصرُ قصصًا لم تُروَ، وتعبًا لم يُعلنْ، وعتابًا لم يُواجهْ. “لا شيء” هي كلمةُ الهروبِ من شرحٍ مُطوّلٍ نعرفُ أنّهُ لن يُفهمَ بالكاملِ، أو لن يُصدّقَ.

إنّهُ صمتٌ يعكسُ عمقَ التجربةِ الإنسانيةِ. صمتٌ قد يكونُ نتيجةً لخيبةِ أملٍ عميقةٍ في الآخرينَ، أو في الذاتِ. صمتٌ قد يُشيرُ إلى أنّ الكلماتِ فقدتْ معناها، أو أنّها لم تعدْ كافيةً للتعبيرِ عن حجمِ ما بداخلنا. صمتٌ قد يكونُ آخرَ حصنٍ لنا، نلوذُ بهِ عندما نشعرُ أنّ كلَّ شيءٍ آخرَ قد انهارَ.

لكنّ هذا الصمتَ، على الرغمِ من قسوتهِ أحيانًا، يمكنُ أن يكونَ أيضًا مصدرًا للنورِ. ففي عمقِ السكونِ، قد نجدُ الهدوءَ اللازمَ للاستماعِ إلى صوتِ الروحِ. في غيابِ الكلماتِ الصاخبةِ، قد نُدركُ الحقيقةَ الصامتةَ التي تكمنُ خلفَ كلِّ شيءٍ. قد نجدُ في “اللاشيء” مساحةً للنموّ، للتأمّلِ، لإعادةِ ترتيبِ الأولوياتِ.

فما أجملَ أن نصلَ إلى مرحلةٍ نُدركُ فيها قيمةَ الصمتِ، ليسَ كغيابٍ للحديثِ، بل كحضورٍ لشيءٍ أعمقَ. صمتٌ يسمحُ لنا بالاستماعِ إلى نبضِ الحياةِ، إلى إيقاعِ الكونِ، وإلى تراتيلِ أرواحنا التي غالبًا ما تُطمسُ بضوضاءِ العالمِ. صمتٌ يمنحنا فرصةً لإعادةِ اكتشافِ ذواتنا، بعيدًا عن توقعاتِ الآخرينَ، وبعيدًا عن ضجيجِ الكلماتِ التي غالبًا ما تكونُ ناقصةً أو مُضلّلةً.

قد لا نستطيعُ دائمًا أن نُخبرَ الآخرينَ بكلِّ ما نشعرُ بهِ، أو بكلِّ ما مررنا بهِ. لكنّنا نستطيعُ أن نُقدّرَ هذا الصمتَ، وأن نمنحَ أنفسنا الإذنَ باللجوءِ إليهِ. لأنّ “اللاشيء” الذي نُجيبُ بهِ، ليسَ عدمًا، بل هو حكايةٌ كاملةٌ، تُروى بلغةٍ لا يفهمها إلا من مرّ بنفسِ التجربةِ، أو من يملكُ قلبًا يُدركُ أنّ الصمتَ أحيانًا أبلغُ من ألفِ حديثٍ.

وفي نهايةِ المطافِ، نُدركُ أنّ الحياةَ لا تتوقّفُ عندَ نقطةِ الحديثِ أو الصمتِ. إنّها رحلةٌ مُستمرةٌ من الفهمِ واللافهمِ، من البوحِ والكتمانِ. ولكنّ القيمةَ الحقيقيةَ تكمنُ في أن نُقدّرَ كلَّ مرحلةٍ، وأن نُدركَ أنّ لكلِّ صمتٍ حكايةً، ولكلِّ “لا شيء” ألفَ شيءٍ مُخبّأ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى