سيرة من المبادئ والإخلاص.. شهادة إنسانية على عصر العمل الشرطي في سلطنة عُمان
كتب: مؤمن بن قلم الهنائي

توثيق صادق وبوح عميق وذكريات نابضة، عكست روح الكفاح وشغف العمل والتحديات، واستحضرت تفاصيل بدايات صعبة لكنها جميلة لمسيرة العمل الشرطي في نهضة سلطنة عمان، قدمها بإتقان وعفوية اللواء المتقاعد محمد بن عبدالله الريامي، مساعد المفتش العام للشرطة والجمارك للعمليات سابقا، والمكرم عضو مجلس الدولة لاحقا، ورئيس لجنة حقوق الإنسان سابقا.
سيرة لم تصنعها الصدف، ولا سرعتها الألقاب، فحسب بل شيدتها المبادئ، وثبتها الإخلاص، وسارت بها الأمانة دربا لا يحيد، فكان الوفاء رفيق الطريق، والصدق عنوانا لا يتغير. وفي تفاصيل هذه المسيرة تتجلى قيمة الاعتراف بقدرات القيادات، والإيمان بأن العمل المؤسسي لا يقوم إلا على الثقة بالكفاءات، وإتاحة المجال للمبادرة، وتحمل المسؤولية دون تردد، وقبول المهمات الصعبة بروح وطنية واعية.
تفاصيل أعمق من بحر عمان نثرها هذا الرجل المترع بالإنسانية، مستلهما من الإيمان شعارا راسخا: إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك.
لم يكن الشعار قولا عابرا، ولكنه ممارسة راسخة انعكست في قرارات متأنية، وتريث في الأمور، وحرص على أن يسبق العدل الحزم، وأن تحكم الحكمة مسار العمل في أدق المراحل.
وخلال ساعات من الحوار، كان الحديث سردا لقصص وفاء وأمانة، ومواقف اعتراف بالجميل، وتجارب قبول للمهمات الصعبة، وسفر وترحال بحثا عن العلم والخبرة، من زنجبار إلى الخليج والعراق ومصر، حيث تشكل الوعي، وتوسعت الرؤية، وترسخ الإيمان بأن بناء الأوطان يقوم على الانفتاح والتعلم والعمل الميداني.
وفي ثنايا السرد، برز الحرص على المحافظة على الصداقات، واحترام الرفقة المهنية، والوفاء لزمالة السلاح والعمل، باعتبارها قيما إنسانية لا تقل أهمية عن الإنجاز الوظيفي، فالعلاقات الصادقة هي ما يبقى حين تتغير المواقع وتتبدل المسميات.
وقد نجح مقدم الحلقة مازن الهدابي في إدارة جلسة بودكاست «مصعد – شاهد على عصر الشرطة»، مانحا هذه الشخصية الفذة المساحة الكاملة للبوح، دون مقاطعات، إلا لتأكيد فكرة أو استجلاء تفصيل، فكان الضيف حاضرا بذاكرته، متسلسلا في أفكاره، صادقا في روايته، واضحا في اعترافه بمن شاركه الطريق وصنع معه النجاح.
وتبلغ السيرة ذروتها عند اللحظة الفارقة بترجله عن الزي العسكري، مودعا البزة العامرة بالسيوف والنجوم، ومودعا مرؤوسيه بروح المسؤول الأمين، مقدما اعتذارات خشية أن يكون قد زل أو قصر أو ظلم، في مشهد يجسد أسمى معاني الأمانة والمساءلة الذاتية. لم يكن وداعه بكبرياء المناصب، بل بتواضع الرجال الكبار، وبشغف الانتماء، وفاء للبزة التي أخلص لها، ولعمان التي تكبر في عينيه كلما ابتعد عنها خطوة واقترب منها معنى.
ويظل هذا السرد الإنساني شاهدا على أن الأوطان لا تبنى بالمناصب، فهي تصان بالمبادئ، ولا تخلد بالألقاب، بل بالأثر الطيب الذي يتركه الرجال في ضمير الوطن وذاكرته.
شكرا لكل المخلصين من أبناء عمان الماجدة الذين حفروا أسماءهم ببيض صنائعهم، وغادروا مواقع العمل بشرف واقتدار، تاركين خلفهم سيرا ناصعة، وإرثا من القيم، ودروسا لا تشيخ مع الزمن.
وشكرا من القلب للواء محمد بن عبدالله الريامي، لقد كفيت ووفيت، فسلام عليك بهذا الوفاء.



