
في طرقات ولاية صور الممتدة نحو قريات، يتسلل عبق قديم يعرفه أهل الجنوب الشرقي من عمان جيدًا.. إنه “سكر عمان”، أو كما يسميه البعض ببساطة “الحلوى الوردية”، واحدة من الحلويات التي حملت في مكوناتها وتفاصيلها صوت الأمهات ودفء البيوت العمانية القديمة.
هذه الحلوى لم تُعرف يومًا باسم صانعها الأول، ولم يُحفظ في الكتب من أين بدأت، لكن البيوت العمانية كانت تحفظ سرها وتوصله من أم إلى ابنتها، ومن جيل إلى جيل. ما نعرفه هو أن البيئة كانت الشريك الأول في صناعتها: حرارة الشمس، رطوبة المكان، ونفَس النساء الصابرات اللاتي حولن أبسط المكونات إلى شيء أقرب إلى العيد.
رحلة إعداد “سكر عمان”
كل شيء يبدأ بشراء “جونية سكر”، كيس كبير من السكر الخام. ثم توضع الصَفْرِيَّة (وهي قدر نحاسي كبير) على نار قوية، ويبدأ مشوار طويل من التحريك المتواصل الذي قد يستمر ساعة أو أكثر، وسط حرارة النار ولهيب الصيف.
وحين يبدأ السكر بالذوبان ويتحول إلى كتلة سائلة، تضيف النساء القليل من الصبغ الأحمر ليمنح الحلوى لوناً وردياً خجولاً يشبه لون الفجر وهو يطل على بحر صور. بعد ذلك يُضاف الخل، وهو السر الذي يعطي العجينة قوامها المثالي ويمنعها من التبلور بسرعة زائدة.
لا يُترك السكر في هذه المرحلة وحده، بل تُغلق أبواب البيت، وكأن المكان كله يعيش لحظة مقدسة لا تحتمل المقاطعة، حيث تملأ الرائحة الزوايا ويملأ الصمت الفضاء إلا من صوت تحريك العجينة.
من العجينة إلى الحلوى
حين تصل العجينة إلى القوام المطلوب، تُعلق العجينة فوق مسمار مدقوق في الجدار، وتبدأ عملية شدها وضربها في الهواء، حركة دائرية تشبه الألعاب الشعبية، حتى تصبح العجينة لامعة وطرية في البداية، ثم تأخذ في التماسك وتصل إلى صلابتها المعروفة.
يُنادى على الفتيات الصغيرات، “ليساعدن في حمل العجينة تُقطع العجينة إلى قطع صغيرة، وتُفرد بعناية فوق حصير نظيف، حيث تُترك لتجف لأيام، تحت عين الأم الساهرة التي تعرف بالخبرة متى تصبح جاهزة للبيع أو التقديم.
من البيوت إلى الأسواق
في السابق، كانت هذه الحلوى حكرًا على البيوت والمناسبات العائلية، لكنها مع مرور الوقت خرجت من “جواني” البيت العماني لتصل إلى أسواق الهبطة في الأعياد، حيث يشتريها الأطفال وكبار السن ، وتباع بالكيلو في محلات البانيان (وهي محلات يملكها تجار وافدون من شبه القارة الهندية)، وأحياناً تُهديها الأسر العمانية كهدايا رمزية لمن يحبون.
اليوم، رغم بساطة المكونات، ما زال إعدادها مهمة صعبة تحتاج إلى مهارة وصبر. ومع ذلك تجدها في بعض المحلات مغلفة بأكياس بلاستيكية شفافة، تُباع في أسواق قريات وصور، خاصة في مواسم الأعياد والهُبطات، شاهدة على إرث لا يموت بسهولة.
أكثر من مجرد حلوى
سكر عمان بلونه الأحمر والأبيض ظل راسخاً في الذاكرة، رغم تعدد الألوان اليوم وتنوع الأصباغ المستخدمة، إلا أن الأحمر الدافئ والأبيض الهادئ بقيا رمزين للحظات الطفولة ودفء البيوت.
هي ليست مجرد حلوى تُؤكل وتنتهي، بل حكاية تعيش في التفاصيل: لون الفجر حين يخجل، وصوت الملاعق وهي تخوض معركة الذوبان، ورائحة السكر حين يتحول إلى حب.
سكر عمان هو طقس اجتماعي، ومشهد عائلي متكرر في ذاكرة الجنوب الشرقي، يربط بين جدران البيوت القديمة وأسواق الهبطة الحديثة، بين يد الأم وعيون الأطفال المنتظرين
قد لا نعرف من بدأه أول مرة، لكننا نعرف أنه لن يتوقف طالما هناك أمهات يعلمن بناتهن كيف تُصنع الحكايات من أشياء صغيرة.



