الثقافي

زينة البحار … العُمانيون… رجال البحر الذين بلغوا أطراف المعمورة

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

حينما وصل العُمانيون إلى أطراف المعمورة بحرًا، بعد أن قطعوا بحر الظلمات، وأودعوا خرائطهم البحرية في قرطبة وغرناطة وإشبيلية، كانت سفنهم القوية والجميلة في آنٍ واحد نموذجًا مدهشًا؛ حتى إن الأوروبيين — الذين اعترفوا بأن زمن إشراق الإسلام ونوره هو ذاته زمن عصر الظلام عندهم — قلّدوا كثيرًا من صناعتها وبنائها.

وكانت تلك السفن التجارية والمسلّحة للدفاع عن النفس تشبه صانعها العُماني: شهمًا، كريمًا، معتزًا بهويته وعروبته ودينه، متوشحًا بخنجره؛ صُوريّة كانت أو نَزوانية أو ظفارية أو رستاقية، ولا تُنسى خناجر إبرا وسمائل وسمد الشأن وعبري والبريمي ودبا وبهلا ومسقط…

وشاحُ زينةٍ وهوية، وسِمةُ شهامةٍ ونزالٍ حين يحقّ الشرع في النزال.

ويحقّ للعُماني العربي أن يفتخر بنسبه الممتدّ إلى النبي هود وإلى النبي صالح عليهما السلام؛ فقد آمن أهل عُمان بصالح، ونجّاهم الله من مصير قوم عاد، الذين وصفهم ربّ العالمين بأنهم أصحاب بأسٍ وقوةٍ ومصانع جبّارة.

وقوم عاد — كما في قول أهل السير — هم أحفاد ذرية نوح الذين نجوا من الطوفان في السفينة التي أرادها الله جسرًا للبشر نحو العالم، تمامًا كما أراد للكعبة أن تكون بيتًا أولًا تقلّد منه البشرية فكرة السكنى والبناء.

كانت سفينة نوح، كما قال تعالى، ﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ 
[هود: 37]

. ولما استقرت على الجودي في جنوب الجزيرة العربية، كأن الله عز وجل أذِن للبشر منذ تلك اللحظة أن يصنعوا السفن، وأن يشقّوا البحار لعمارة الأرض كما أراد لهم.

إنها إرادة الله كالكعبة التي أرادها الله سببا للعبادة ورمزا للسكن ليقلده الإنسان.

ومرت السنون، وتطورت الحضارة في ذرية نوح، حتى بلغت أنسابهم ذرية هود الذين تناسلوا في عُمان؛ فحملوا إرث بناء السفن جيلًا بعد جيل، وامتدت رحلاتهم حتى بلغوا ما يُعرف اليوم بقارة أمريكا، حيث لا تزال نقوشهم منثورة في صخور ولاية كولورادو وغيرها… آثارًا تشهد على أحفاد نوح من العُمانيين.

وكذلك تشهد الحوليات الصينية المكتوبة أن العمانيين وصلوا الى موانئها في ال ٢٢٠ قبل الميلاد .. وآثار القرية العمانية لا تزال موجودة بشهادة الصينيين في مقاطعة فوجيو ومدينة تشيندو وقريتهم العمانية العربية.

وكان العُمانيون أول من أُهديت لهم الخيل من نبي الله سليمان عليه السلام، فروّضوها وسمّوها “زاد الراكب” بعد مبايعته ملكًا على الأرض، حين بلغتهم أنباء إسلام بلقيس سبأ.

ونال أهل عُمان شهادة النبي ﷺ بأنهم أهل أخلاقٍ ورفقٍ وأمانة: لا يسبّون، ولا يخونون، ولا يمكرون، وجاهزون دائمًا لنجدة المظلوم، كما شهدت بذلك الشعوب عبر التاريخ.

ثم ركب العُمانيون البحر، جيلاً بعد جيل، كما يركب غيرهم الخيول؛ فالخيل مخلوقة، أمّا السفائن فمصنوعة بأيديهم مقلدين لسفينة نوح ومتطورين نماذجها…

وصارت إرادة الله نافذةً في ذرية هذا الشعب المنحدر من صُلب نوح وهود وصالح ومحمد عليهم الصلاة والسلام.

وعُمان للعمانيين والعالم كتابٌ ذو وجهين: صفحة بحرية وصفحة برية، توأمان متعانقان، يمدّ كلٌّ منهما الآخر بما يحتاج، ومن هذا التوازن بلغ العُمانيون الأنجم.

وهذا فضلٌ يجب أن يعرفه العالم: أن هناك شعبًا من شعوب الأرض هم من المؤسسين الحقيقيين للجسور البحرية التي عبرت المحيطات، ورسمت الخرائط، وعلّمت العالم الجغرافيا، والرياح، والتيارات البحرية، والأعاصير، ومواسمها، والنجوم وأفلاكها… وعلّمته الأخلاق ورفعتها.

وما ندعوا الباحثين إليه هو البحث التاريخي للجسور العمانية التي إمتدت مع الصين بصواريهم حين نقل ابو جعفر المنصور عاصمة الخلافة الإسلامية الى بغداد وربط الحضارتين من خلال عمان وعبقرية بحارتها والتي كانت همزة الوصل بين الشرق الإمبراطوري الصيني والغرب الإمبراطوري العربي الإسلامي وهذا مجال ومتسع لم يكتب عنه.

ثم خرجت إلينا — بعد قرون مديدة — واحدةٌ من أعظم سفن التاريخ العُماني التي اندثرت واختفت من سجلات البحّارة: البَغْلَة.

وفي العام 1988، أعادها إلى الحياة سلطان عُمان وباني نهضتها، جلالة السلطان قابوس بن سعيد — طيب الله ثراه — فأحيا بذلك مجدًا بحريًا نائمًا.

وسُمّيت “البغلة” تشبيهًا بالحيوان المهجّن القادر على حمل الأثقال؛ فسفينة البغلة كانت حاملةً لثقل الرحلات والبحارة، ورمزًا للقوة والصبر.

كانت البغلة السلطانية — زينة البحار — سفينةً خشبية شراعية عمانية أصيلة، قلّد الأوروبيون — والبرتغاليون تحديدًا — طريقة بنائها منذ أن وصل البحّارة العُمانيون إلى الأندلس.

وقد أطلق عليها السلطان قابوس اسم “زينة البحار”، وهي بالفعل زينة كما تعني الكلمة؛ بخمس نوافذ في مؤخرتها مطلية بالذهب الأحمر عالي الجودة والعيار، وبطول يبلغ 61 مترًا، وأشرعة عربية مثلثة تفترش أعمدة الصواري العملاقة كأنها أجنحة نور.

وفي يناير من عام 2004م، حين كنتُ نائباً للقبطان يوسف الهوتي وخلال فترة صيانة زينة البحار السنوية — وهي فترة تحتاج إلى جهدٍ شاق حتى مع وجود الكوادر المحترفة وإسناد المؤسسة الحاضنة — جاءنا التكليف السامي من السلطان قابوس، طيب الله ثراه، أن نُبحر في الثالث من مارس إلى هامبورج الألمانية العريقة، للمشاركة في احتفال مرور 815 عامًا على إنشاء مينائها، إلى جانب عشرات السفن التقليدية الشراعية القادمة من مختلف بلاد العالم.

كانت تلك البشرى السامية مبهجة، تُشعل فينا روح التحدي، وتُضاعف الجهود من أجل أمرين في آن واحد:

إتمام الصيانة، والإعداد لرحلة بحرية طويلة تتجاوز عشرين ألف كيلومتر ذهابًا فقط، في ظروف طقس استثنائية وقاسية في البحر الأحمر والمتوسط والأطلسي جميعًا.

وانطلقت الرحلة في 3 مارس 2004م بعد احتفال توديعي مهيب، رعاها السفير الألماني بتكليف مباشر من السلطان قابوس من ميناء السلطان قابوس في مطرح ما جعل في هذا الشهر ان يطلب الألمان زيارة عمان بواقع زيادة بلغ ٢١ في المائة .

وهنا، عادت الذاكرة بي إلى “سلطانة” — المركب السلطاني الأسطوري — التي ودّعها إمبراطور عُمان السيد سعيد بن سلطان بتاريخ 17 شوال 1255هـ الموافق 24 ديسمبر 1839م، حين حملت سفيره وخادمه الأمين أحمد بن النعمان الكعبي كأول سفيرٍ عربي يصل إلى نيويورك في 30 أبريل 1840م.

تذكّرت ذلك التاريخ تمامًا من خلال البحث والقراءة… وها نحن نعيد أمجاد الأسلاف، وننطلق بزينة البحار إلى أعالي البحار، وإلى هامبورج، بعد معاناة وصبر ورباط وطقوس بحرية قاسية، نال على إثرها طاقمنا العسكري فور الرجوع بسلام وسام الشجاعة البطولية الفريد من نوعه، ووسام الثناء السلطاني الذي شمل جميع أفراد الطاقم.

لقد واجهت السفينة وطاقمها طقسًا عاتيًا كان يسرق النوم من أعيننا، وتعرّضنا لأعطال لم يسلم منها أي مركب بحري. كان أولها حين وصلنا إلى قلهات، فأجبرتنا الظروف على العودة إلى مسقط ليومين متوترين واستثنائيين بكل معنى الكلمة.

وبعد مرورنا بالعديد من الموانئ الدولية، وصلت زينة البحار في موعدها المحدد، لتجد عشرات الآلاف من الألمان في استقبالها، ثم وداعٍ مماثل بعد اثني عشر يومًا.

وضعت الصحف الألمانية صورتها على صفحاتها الأولى، وتناولتها نشرات الأخبار المتلفزة، ووصفتها بأنها سفينة فريدة من نوعها، خشبية شراعية بُنيت من أخشاب الساج والمهوجني البورمي الأصيل، وأن شذى خشبها سيُعطّر هامبورج.

قالوا إنها سفينة تأتي لألمانيا لأول مرة… وربما لن تتكرر زيارتها.

حتى إن رجلًا من هامبورج كنا نشاهده يجلس قبالتها من الصباح إلى المساء، اثني عشر يومًا كاملًا، مأخوذًا مأسوراً بجمالها كأنها كائنٌ من نور ما حدى بالطاقم تمويله من مطبخنا لوجبات غذائه ليكتمل الجمال بالكرم .

ثم أبحرت زينة البحار عائدةً إلى الوطن الحبيب، لتصل يوم الاثنين 20 سبتمبر 2004م بعد رحلة دامت 191 يومًا، وكان في استقبالها معالي الفريق أول سلطان بن محمد النعماني، وكان حينها أمين عام شؤون البلاط السلطاني.

تلك هي البغلة السلطانية العُمانية… زينة البحار.

وما بين كل ميناء وميناء…

قصص لو فُتحت لأدهشت العقول وحيّرت الأفكار بل ولأذهلت السندباد العماني بتفاني بأحفاده.

إن رجلًا من هامبورج كنا نشاهده يجلس قبالتها من الصباح إلى المساء، اثني عشر يومًا كاملًا، مأخوذًا مأسوراً بجمالها كأنها كائنٌ من نور ما حدى بالطاقم تمويله من مطبخنا لوجبات غذائه ليكتمل الجمال بالكرم .

ثم أبحرت زينة البحار عائدةً إلى الوطن الحبيب ولكن ليس إلا بعد دعتنا حكومة إسبانيا لمشاركة برشلون في كرنڤالها بالسفن الشراعية تماما كهامبورج وآلاف الزوار والمعجبين ، لتصل لميناء السلطان قابوس يوم الاثنين 20 سبتمبر 2004م بعد رحلة دامت 191 يومًا، وكان في استقبالها معالي الفريق أول سلطان بن محمد النعماني، وكان حينها أمين عام شؤون البلاط السلطاني.

تلك هي البغلة السلطانية العُمانية… زينة البحار.

وما بين كل ميناء وميناء…

قصص لو فُتحت لأدهشت العقول وحيّرت الأفكار بل ولأذهلت السندباد العماني بتفاني بأحفاده وكأنها قصص الف ليلة وليلة ولكن ليست خيالية بل عملية بسواعد عمانية مجيدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى