مقالات

ريحة وطن

عائشة الفارسية

السفر… وما أدراك ما السفر! من منا لا يحبه؟ نحن ننتظر قدومه بلهفة، ونفرح بطاريه، ونستعد له وكأننا على موعد مع مغامرة طال انتظارها. نحزم أمتعتنا، ونرسم في أذهاننا الأفكار والجداول، ونحدد الأماكن التي سوف نزورها، ونخطط لكيفية قضاء أوقات جميلة لا تُنسى.

نسافر يومًا أو يومين وأحيانًا أكثر وخلال هذه المدة نفعل ما نشاء ونحقق ما خططنا لأجله. ولكن، ومع كل لحظة متعة، يبدأ الحنين ينساب في قلوبنا، والشوق يزداد إلى أرض الوطن وإلى الأهل والأحباب. نشتاق لتلك الأرض التي تربينا عليها، ولكل ما عليها من ذكريات وصور محفورة في الذاكرة.

كم نتمنى حينها أن نعود لنشم ريحة ترابها، ذلك التراب الذي يشبه في عبيره ريحة المسك والعود، خاصة لمن سافر وابتعد عنها. تمر الأيام، وحين يحين موعد العودة، يكاد القلب يسبق الطائرة شوقًا. وأول ما تتوقف الطائرة على أرض الوطن، نأخذ نفسًا عميقًا، ونجمع الهواء في صدورنا، ثم نخرجه مع تنهيدة طويلة، وكأننا كنا نحبس أنفاسنا طوال الغياب.

يا له من شعور يصعب وصفه!
إن للنسيم والهواء ريحة شذية لا تُقاوم، آه… إنها ترد الروح وتنعش النفس. وهناك روائح أخرى تأتينا تباعًا بعد النزول، أهمها ريحة تراب الوطن، ذلك التراب الذي عشنا فوقه طفولتنا، وركضنا في أزقته، وتحت سمائه كانت أحلامنا الأولى.

قد لا ندرك قيمة هذه الرائحة ونحن فيه، لكن الغربة تكشف لنا معناها الحقيقي. وعند العودة، نتلذذ باستنشاقها، ونميزها من بين آلاف الروائح، فهي عطر محفور في ذاكرتنا لا يزول، يطل علينا في لحظات الشوق، ويغمرنا بالسكينة والرضا.

إنه شعور لا يضاهيه شعور، لأنه يعبّر عما نحمله في قلوبنا من حب وولاء وانتماء لأوطاننا.
فيا رب، احفظ لنا أوطاننا، وأدم عليها الأمن والرخاء، وامنحنا نعمة العودة دائمًا إلى ريحة ترابها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى