الثقافي

رفيق في الظل والنور

وداد الاسطنبولي

تمرّ بنا في حياتنا أشياء كثيرة دون أن نمنحها ما تستحق من اهتمام، لأننا نحمد الله على نعمه الغامرة دون أن نلتفت إلى تفاصيلها الصغيرة. حتى إذا اختبرتنا الحياة، وابتلانا الله في أجسادنا، ندرك أن التجارب توقظ الفكر فينا، وتقرب منا الأصدقاء والمقرّبين، فتولد من عمق التجربة صداقات صادقة لا تُنسى.

ولكن في هذا الحدث يختلف الأمر، حيث نجد أن الصداقة ليست شرطًا أن تكون مع إنسانٍ بشكلٍ عام، وإنما قد تكون أداةً تمكّننا من بناء قدراتنا، ووسيلةَ نورٍ مضيئةٍ في حياتنا.

فتنتابنا سعادة كبيرة لكل ما يحيط بنا، وها هي الأداة التي لها مآرب أخرى، أصبح لها يوم خاص بها يُحتفل به، فيسعد بها كل من كانت له عونًا ومعينًا، وذكرى وفخرًا واعتزازًا لمن يستخدمها. وتاريخها لا يفهمه إلا المقتنون لها، إنها العصا البيضاء.

تأسّس هذا اليوم لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية، واهتمّت به منظمات كثيرة. وقد قام جيمس بيغز، الذي فقد بصره عام 1921م، بطلاء عصاه باللون الأبيض لتكون أكثر وضوحًا للسائقين.

كما حاز المغربي أحمد زكار على الميدالية الفضية في المعرض الدولي بجنيف للاختراعات والتقنيات، تقديرًا لاختراعه المتعلّق بالعصا البيضاء.

يعرف المتقنون لهذه الأداة من المكفوفين فائدتها القصوى؛ فهي رمز لاستقلاليتهم ومعين لحركتهم في التنقل، تكشف لهم العقبات والمتغيّرات في المحيط الذي يتحركون فيه.

وبحركتهم بها، يذكّروننا نحن المبصرين بأبسط آداب الذوق العام في تعاملنا مع الكفيف: بتقديم المساعدة متى طُلبت منا، أو بتأمين الطريق له في كل الأحوال.

قد نراها نحن برؤية بسيطة، لكنها بالنسبة لصاحبها مميّزة، تشعره بحريته وأمانه وثقته بنفسه، وتساعده على التكيّف، وتحوّل كل خطوة إلى تجربة استقلالية وكرامة. لهذه العصا أثرها العظيم وقيمتها الكبرى في تحويل حياةٍ مفقودةٍ إلى حياةٍ ملؤها التحدي والأمل.

وعلينا – نحن وهم – أن نحمد الله أولًا وآخرًا على ما نحن فيه من نعم، وأن نواجه الصعاب التي تعترضنا بالحبّ، وبكل ما يقودنا إلى الثبات على أقدامنا، لنكتشف في كل خطوة معنى الحياة وبهجة العطاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى