مقالات

رسوخ الدبلوماسية العُمانية

زكية بنت سيف المعمرية

منذ البدايات الأولى للتاريخ الإنساني في جنوب شرق الجزيرة العربية، برزت سلطنة عُمان بوصفها أرضًا للانفتاح والتواصل بين الحضارات.

فقد شكّل موقع سلطنة عُمان الجغرافي على مفترق طرق التجارة البحرية بين الشرق والغرب عاملًا مهمًا في صياغة شخصية حضارية تقوم على التفاعل مع الشعوب الأخرى واحترام ثقافاتها، ومن هنا تشكلت البذور الأولى للدبلوماسية العُمانية، التي لم تكن مجرد ممارسة سياسية حديثة، بل امتدادًا طبيعيًا لتاريخ طويل من التواصل والتبادل الإنساني.

لقد أدرك الإنسان في سلطنة عُمان منذ وقت مبكر أن البحر لا يفصل بين الشعوب بل يصل بينها، فكانت السفن العُمانية تجوب المحيط الهندي والخليج العربي وسواحل شرق أفريقيا والهند والصين، حاملة معها التجارة والمعرفة وروح التعايش، وفي تلك الرحلات لم يكن العُماني يسعى إلى فرض حضارته على الآخرين، بل كان ينخرط في علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة، وهو ما رسّخ تقاليد دبلوماسية مبكرة تقوم على فهم الآخر والتعامل معه بروح من التوازن والاعتدال.

في العصور الإسلامية ازداد حضور سلطنة عُمان في المشهد السياسي والاقتصادي في المنطقة، حيث أسهمت في بناء علاقات متينة مع العديد من الدول والممالك، مع الحفاظ على استقلال قرارها السياسي، وقد شهد التاريخ مراحل متعددة من الرسائل والبعثات والعلاقات الدبلوماسية التي نسجتها سلطنة عُمان مع محيطها الإقليمي والدولي، وهو ما يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية الحوار والتفاهم في إدارة العلاقات بين الدول.

ومع قيام الدولة الحديثة في سلطنة عُمان في عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد –طيّب الله ثراه– ترسّخ هذا النهج بصورة أكثر وضوحًا، حيث قامت السياسة الخارجية لـ سلطنة عُمان على مبادئ ثابتة أهمها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والسعي إلى حل النزاعات بالوسائل السلمية.

وقد أصبحت سلطنة عُمان خلال تلك المرحلة نموذجًا للدولة التي تحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، دون أن تنخرط في صراعات المحاور أو الاستقطابات الحادة.

ولذلك برز دور سلطنة عُمان في العديد من القضايا الإقليمية والدولية باعتبارها طرفًا يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين المتخاصمين، فقد عُرفت الدبلوماسية العُمانية بالحكمة والهدوء والقدرة على فتح قنوات التواصل حتى في أكثر اللحظات تعقيدًا، وفي أوقات الأزمات كانت سلطنة عُمان تعمل بصمت من أجل جمع الأطراف المتنازعة إلى طاولة الحوار، إدراكًا منها أن الحوار هو الطريق الأقصر لتخفيف التوترات وبناء الثقة بين الدول.

إن جوهر الدبلوماسية العُمانية يقوم على مبدأ واضح يتمثل في أن العلاقات الدولية لا ينبغي أن تُبنى على العداء الدائم أو الاصطفاف الحاد، بل على التعاون والاحترام المتبادل، ومن هذا المنطلق تحرص سلطنة عُمان على إقامة علاقات متوازنة مع مختلف الدول، بما يخدم الاستقرار الإقليمي ويعزز فرص السلام.

وفي عهد السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه– استمرت السياسة الخارجية لـ سلطنة عُمان على النهج ذاته، مؤكدة أن الحكمة والاعتدال هما الأساس في إدارة العلاقات الدولية.

وقد تجلى ذلك في تعامل سلطنة عُمان مع العديد من القضايا المعاصرة، حيث حافظت على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف وسعت إلى إبقاء جسور الحوار مفتوحة.

ومن الأمثلة الحديثة على هذا النهج تعامل سلطنة عُمان مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث حافظت سلطنة عُمان على علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والتواصل الدبلوماسي، في الوقت الذي تحرص فيه على علاقاتها المتينة مع بقية دول المنطقة والمجتمع الدولي، وقد عكست التهنئة الرسمية التي بعثتها سلطنة عُمان إلى القيادة الإيرانية في مناسبات مختلفة رسالة واضحة مفادها أن التواصل الدبلوماسي لا يعني الاصطفاف السياسي، بل يعكس التزامًا بمبدأ الحوار وبناء جسور التفاهم.

وهنا تتجلى إحدى أهم رسائل الدبلوماسية في سلطنة عُمان إلى العالم، وهي أن العلاقات الدولية يمكن أن تقوم على التعاون مع الجميع دون أن تتحول إلى عداء مع الآخرين؛ فليس بالضرورة أن يكون عدوّك عدوّي، كما ليس بالضرورة أن يكون صديقك صديقي، بل إن الحكمة السياسية تكمن في إدارة العلاقات بما يخدم الاستقرار ويحفظ مصالح الشعوب.

لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الدبلوماسية العُمانية قادرة على التكيف مع المتغيرات الدولية مع الحفاظ على ثوابتها الأساسية؛ فنهج الاعتدال والتوازن الذي تبنته سلطنة عُمان عبر تاريخها جعلها موضع احترام وثقة في المجتمع الدولي، وجعل من مسقط منصة للحوار ومكانًا يلتقي فيه المختلفون بحثًا عن حلول سلمية.

وفي عالم يزداد تعقيدًا وتتصاعد فيه التوترات، تواصل سلطنة عُمان أداء دورها الهادئ في تعزيز الحوار وبناء جسور التفاهم بين الدول، مستندة إلى إرث حضاري عريق وإلى رؤية سياسية تؤمن بأن السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل هو أساس الاستقرار والتنمية.

وهكذا يظل رسوخ الدبلوماسية في سلطنة عُمان شاهدًا على حكمة تاريخية متجذرة، تؤكد أن القوة الحقيقية لا تكمن في الصراع، بل في القدرة على صناعة السلام وبناء الثقة بين الأمم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى