مقالات

رحلة الكلمة بين أمواج الحياة

صالح بن سعيد الحمداني

الكتابة كفعل إنساني يتحدى العواصف ففي خضم هذا العالم المتسارع حيث تتصارع الأحداث وتختلط الأصوات وتتسابق الأخبار يبقى فعل الكتابة مساحة فريدة للإنسان كي يتأمل ذاته والكون من حوله، فالكتابة ليست مجرد وسيلة للتواصل أو توثيق اللحظة ولكننا نجدها فعل وجودي يعكس بحث الإنسان الدائم عن المعنى وسط فوضى الحياة، ربما لهذا السبب ظلت الكلمة منذ فجر الحضارات سفينة الإنسان التي يبحر بها بين أمواج الحاضر المتقلبة نحو مرافئ المستقبل المجهول، وفي أزمنة الأزمات والحروب كما في أوقات السلام والرخاء أثبتت الكتابة قدرتها العجيبة على الصمود فهي الأداة التي تحفظ للذاكرة إنسانيتها وللحضارات هويتها.

الكلمات التي سُطّرت على ألواح الطين في بابل أو على جدران المعابد في مصر القديمة أو في المخطوطات التي جابت بحار العصور الوسطى وكل رسم وشكل أوصلنا للحضارات القديمة من خلال النقوش والرموز وغيرها لم تكن مجرد رموز جامدة وإنما كانت تجسيداً لعقل الإنسان وروحه وقلقه وأسئلته الكبرى، واليوم رغم التقدم الرقمي الهائل ما زالت الكتابة تحتفظ بجوهرها القديم رحلة في المجهول يقودها القلم ـ مهما كان شكله أو وسيلته ـ بحثاً عن الحقيقة والجمال، فالكتابة فعل مقاومة بقدر ما هي فعل إبداع، ومقاومة للنسيان والزوال، مقاومة للسطحية التي تفرضها وسائل الإعلام السريعة وللتشتت الذي تخلّفه كثافة المعلومات في عصرنا الحالي، فالكاتب حين يجلس أمام الورقة البيضاء أو الشاشة الفارغة إنما يواجه نفسه قبل أن يواجه قارئه، كل جملة يخطها هي محاولة لرسم خريطة وسط بحر متلاطم من الأفكار والانفعالات والتجارب الإنسانية، وهذا البحر قد يكون هادئاً أحياناً لكنه في أحيان أخرى يثور بأمواجه العالية كأنه يريد اختبار قدرة الكاتب على الصمود والمناورة والبحث عن مسار جديد.

اللافت أن فعل الكتابة في ذاته يشبه الإبحار الطويل، فالكاتب يبدأ رحلته دائماً من نقطة مجهولة محمّلاً بأسئلته وأحلامه وخبراته ويعرف في قرارة نفسه أن الطريق لن يكون سهلاً، فهناك لحظات تيه تماماً كما يضلّ البحّار طريقه وسط الضباب ولحظات انكشاف حين تلوح له فكرة مضيئة تشبه جزيرة بعيدة على الأفق، في النهاية يصل الكاتب إلى نصه المكتمل كما يصل الملاح إلى مرفأه بعد رحلة طويلة مليئة بالمفاجآت، ولكن ما يجعل هذه الرحلة فريدة هو أن القارئ نفسه يعيد اكتشافها من جديد، فالنص المكتوب سواء كان مقالاً أو رواية أو قصيدة يتحول إلى بحر آخر حين يقرأه الآخرون، وكل قارئ يضيف تجربته الخاصة، أفكاره ومشاعره وأسئلته ليصبح النص فضاءً مشتركاً تتعدد فيه القراءات والدلالات، وربما هنا يكمن سرّ الكتابة الخالد فهي تبدأ حياة جديدة في عقول وقلوب من يقرؤونها، وهي لا تنتهي عند حدود الكاتب.

في زمننا الراهن حيث تختصر الرسائل الإلكترونية والمحادثات السريعة الكثير من تفاصيل اللغة تبدو الحاجة ملحّة للعودة إلى الكتابة العميقة التي تمنح القارئ فرصة للتأمل والتفكير، فالسطور التي تُكتب برويّة تشبه المرافئ الآمنة وسط ضجيج العصر، تمنح القارئ فسحة ليتوقف قليلاً وليلتقط أنفاسه ويفكر في الاتجاه الذي تسير فيه حياته والعالم من حوله، فالكتابة هي فعل بقاء وليست ترفاً فكرياً كما يظن البعض؟ فبها نحمي ذاكرتنا من التلاشي ونحمي إنسانيتنا من التفكك ونحمي ذواتنا من الضياع وسط العواصف اليومية، وكل نص يُكتب بصدق يتحول إلى شراع جديد يُضاف إلى أسطول الإنسانية وهي تبحر في رحلتها الأبدية نحو المعنى والخلود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى