
من المقابلات التي استوقفتني حديثُ أحد الضيوف، إذ قال: «من أكثر الأمور التي كانت تُسبِّب لي ضغطًا نفسيًّا استعدادي للذهاب إلى المطار؛ فقد كان هذا الأمر يُرهقني بشدّة، خوفًا من فوات الطائرة، وانشغالي بالتفكير المفرط في احتمال التأخّر، مع أن تأخّري – في الواقع – لا يترتّب عليه ما يستحقّ كلَّ ذلك القلق. كنتُ أتوتر طوال الطريق، وبحكم سفري المتكرر في بعض الفترات، أصبح هذا الأمر يُتعبني كثيرًا. وحتى إن لم تفُتْني الرحلة، ولم أتأخر عنها، كان التوتر يتحوّل في النهاية إلى إرهاقٍ جسديّ.
واللافت أن القلق والضغوط، حين تتكرّر، لا يبقى شعورًا عابرًا، بل يتحوّل إلى أثرٍ جسديٍّ ملموس.»
ومضة:
الضغوط التي لا نُعالجها في بداياتها، تتسلّل من أفكارنا إلى أجسادنا، وكأن الجسد يتكفّل بترجمة ما عجز العقل عن تهدئته.
وكثيرًا ما يستوقفني في هذا السياق قول الكاتب ديل كارنيغي؛ إذ يشير إلى أن الأطباء كثيرًا ما يُحذّرون من الأمراض وآثارها وما يترتّب عليها، لكنهم نادرًا ما يكتبون عن القلق نفسه، وعن الضغوط، وعن العواقب الخفيّة التي يخلّفها في النفس والجسد.
فالضغوط ليست دائمًا عدوًّا، لكنها تصبح كذلك حين نسكنها بدل أن نُحسن إدارتها.
قد تبدأ فكرةً صغيرة، ثم نُضخّمها في عقولنا حتى تملأ الأفق، أو موقفًا عابرًا نمنحه من طاقتنا ما لا يستحق.
وما لم نضع للقلق والضغوط حدًّا في عقولنا، ستضع حدًّا لطمأنينتنا في أجسادنا.
ختامًا، ليس الضغط ما يكسر الإنسان، بل طريقة حمله له ويرشِدنا ديننا الكريم إلى الطمأنينة وعدم القلق؛ فقد خاطب الله النفس المطمئنة فقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27]
وقال في موضع آخر: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]



