الثقافي

رؤية نقدية تحليلية في رواية (ولادة في كنف الملائكة)

يعقوب بن راشد السعدي

لقد عجزت أناملي عن خط كلمة على لوحة مفاتيح الحاسب الآلي ، وذلك ليس شتاتاً وضياعاً في بحر اللغة ، ولكن يحتار الفكر أحياناً عن الكتابة إذا ما جاء يكتب عن شخصية تحمل في طياتها زخما كبيرا من العطاء والكفاح والصبر ، عن شخصية أبت أن تسقط رغم ما ألم بها من وجع ومعاناة وقهر سكن وجدانها قبل أن يسكن جسدها ، شخصية صنعت من المستحيل سلما لبلوغ الأمل وإرتقاء السماء لتركب السحاب الماطر وتنزل بغيثها على من هم على شاكلتها ، لتغرس فيهم ما فقدوه من القوة والسلام الداخلي لبلوغ القدرة على كسر جماح العجز وتذليل الصعاب لبلوغ منبر العطاء دون كلل أو ملل .

ولِدت إرادة الكاتب والروائي حمدان بن هاشل بن علي العدوي من رحم المعاناة ومخاض الألم لتشق طريق النجاح الذي لم يكن هو نفسه يتوقعه في يوم من الأيام ، حين كانت حياته على المحك ، وبين مفارقة الموت والحياة ، وبين الظلمة والنور ، تجلت قدرة الله بأن تصنع من هذا الرجل المحطم نبراسا يضيئ ويشرق على من حوله بنضخ دفاقا فاض وسال كالسلسبيل ليطبب جراحاته ويتمسك بذاته ، وينهض من جديد ليواصل الحياة ويخط قلمه المكلوم أجمل الروايات وأعمق الأحاسيس ، كلماته التي أتت تنساب كجدول رقراق تغذي الوجدان وتشعل خمود الذات ، لتنعش من على شاكلته وتصرخ بأعلى صوتها (لا للإستسلام) ، هنا كان الميلاد الحقيقي لهذا الرجل الذي عاد من الموت الجسدي والروحي ليعلن لمن حوله ، بأن العزيمة والإيمان المطلق بالله على بلوغ المستحيل ليس عبثاً إنما حقيقة تتجلى في كل واحد منا ، فقط عليه أن يبحث في داخله .

أنا اليوم في صدد الحديث عن إصدارات حمدان بن هاشل العدوي لروايتين هما باكورة أعماله ، رواية ( ولادة في كنف الملائكة ) ورواية ( أسرار من بوابة القادمين إلى صلالة ) ، وأخشى أن لا أعطي حق الروايتين مساحتهما الأدبية ، وأبخس بمقالي هذا عبقرية الرجل التي تجلت في سرد الروايتين والغوص في أغوارهما، لكنني رغم هذا وذاك سوف أشمر عن ساعدي الفكري لعلي أوفق في قراءتي التحليلية البسيطة ، في هذا المقال أكتفي بتحليل الرواية الأولى (ولادة في كنف الملائكة ).

لقد جاءت ثيمة الموت مهيمنة على رواية ولادة في كنف الملائكة ، ولكن لم تكن عثرة في ما مر به الكاتب من وقائع مؤلمة وأحداث يقشعر لها البدن ، أرى بأن الكاتب نفسه تقمص الموت ذاته وعاش معه وتعايش وأصبح الموت بمثابة الرفيق ، لقد أتحد مع الموت وكأنه خليل يسامره ويبحث عنه كلما غاب عنه ، كان يُشعره بالسعادة ، كان يُشعره بالحياة !! ، وأحياناً خرى كان يناديه لينعم عليه بالراحة الأبدية عندما يكون في كبد الألم ومستقر الوجع ، نعم هكذا تعلق الراوي حمدان العدوي في روايته بالموت كما يتعلق الكثيرون بالحياة ، لكن حمدان خالف الواقع الإنساني الفطري ، ليس لأنه غريب الأطوار ، لكن التجليات التي رآها وعاشها أثناء الحادث وصمت الحياة ، والرؤية الغيبية التي فصلت بين الواقع وإلا واقع كانت كفيلة بأن تبعث في نفسه الكثير من الأسئلة التي أستمر في البحث عن إجاباتها حتى اليوم ، وكفيلة بأن تبعثه إنساناً أخر غير الذي كان عليه ، تلك الرحلة المجهولة التي شعر فيها وكأنه ملاك والضوء الساطع الأبيض المشع يتغلغل إلى أعماق وجدانه ، جعلته محباً لإكمال حالة رحلته إلى الموت ، فلم يكن الموت بالنسبة له نهاية الحياة ، بل بداية كل شيء جميل ، جعله الغموض يعشق اكتشاف ما سوف يؤول إليه هو ! ، أشعر في أثناء قراءتي للرواية وكأنه يتساءل في ذاته .. هل فعلاً عشت ولو للحظات حياة البرزخ ؟!! .

عندما نقرأ روايته ولادة في كنف الملائكة ، نجد توطد العلاقة بينه وبين الموت ، بينما عاش معاناة الألم بعد الحادث في حالة سوداوية ، جعلت من الموت رفيقاً حقيقياً له في ليله ونهاره ، كلما شعر بشدة الألم كلما خاطب الموت بإشتياق محب وليس هروبا من الحياة ، وربما وضع الشخصية البطل المزرية للراوي في تلقي العلاج الصحيح وعدم التحرك السريع في العلاج والتباطء في فهم التشخيص لما يعانيه من ألم جعله ينشد الموت في كل زفرة ألم ، لقد قدم الراوي حمدان بن هاشل العدوي في هذا الرواية لغة سردية جميلة ، برع فيها في نقل الأحداث للقارئ بطريقة تجعله يعيش معه الحدث ويتخيل معه كل الشخصيات في الرواية وكأنها تتراقص أمامه ، وهذا لا يصل إليه إلا كاتب متمكن من أدواته الأدبية وشخص عاش تلك الوقائع بصدق ، حمدان العدوي أمتلك الأثنين معاً ، فكان السرد الأدبي في الرواية خصبا ودفقا أعطى للرواية غزارة في حضور الكلمة والإحساس بها والتعايش معها .

والمفارقة عجيبة ، رغم عشقه للموت إلا إنه ثابر وتحدى المستحيل ليقف مرة أخرى على رجلية ويعود للحياة ، وهذا التحدي في وجهة نظري من خلال قراءتي للرواية جاء لأسباب كثيرة منها ، ما مر به الراوي من إجحاف وخذلان وفقدان أمل من ما يسمعه من حولة من الكادر الطبي ومن قراءة نظرات بعض الأعين المحيطة به ، التي كانت بمثابة الخنجر الذي يغرس في الخاصرة ، الأمر الذي ولد معه وأيقظ فيه نشوة العودة إلى الحياة وصراع البقاء رغم الألم ، وربما أيقن بأن ما عاشه في رحلته المجهولة لن يعود إليه في وضعه الحالي وربما سوف يمتد به الإنتظار ، قد صنع الراوي حمدان العدوي بطل الرواية والكاتب لها ، بطلا أستنهض من الموت والألم الحياة المفقودة ، وأيقظ اليأس من ظلمات النفس إلى نور تجلى من ضعفه ليبلغ عنان المقاومة رغم الإعاقة ، كان في الرواية كأنه ربان يصارع الموج من حولة ليصل بالسفينة التي شابها العيوب في هيكلها إلى بر الأمان ، ليرممها ويبدأ الإبحار من جديد بأشرعة تلوح للحياة بأن القادم أفضل ، وبأن بعض الموت يحمل غموض إلى بوابة الحياة ، إلى عالم جديد ونقلة جديدة لم يعهدها في حياته السابقة ما قبل الحادث .

لقد حملت الرواية الكثير من فيض المشاعر والأحاسيس وتضاربهما في آنً وأحد ، لقد لعب الكاتب على النمط السردي بطريقة احترافيه بالغة في تصوير الحالة الإنسانية ، في ضعفها وقوتها ، في سكونها وثورتها ، في هدوءها وغضبها ، كل هذه المتضادات أستطاع الراوي أن يُبقي القارئ داخل روايته وكأنه يعيش معه كل تلك الصراعات النفسية والوجدانية ، كل تلك الإنفعالات وذاك الضعف وتلك القوة ، أبدع في توظيف الكلمة كما أبدع في تصوير الحالة الوقتية والزمنية من حدث إلى أخر ، لا يترك للقارئ أن يتملص من القراءة أبداً ، فتتابع وتصاعد الأحداث والترابط في إيقاع تلوين الفعل ورد الفعل بينه وبين الشخصيات التي كانت تصاحبه في صنع الحدث ، يجعل من القارئ حبيس الرواية حتى النهاية .

تراه أحياناً يفقد التوازن ، وهنا أقصد توازن الشخصية فيما تعيشه من أحداث ، وليس توازن الطرح في الرواية ، فيهرب كثيراً من واقعة إلى واقع أخر كان يضنه المهرب والمفر من كل شيء حولة ، كان يريد الهرب حتى من نفسه ، صادقَ الضعف كما صادقَ القوة ، كان تائهاً لا يعرف ما يصنع وما يريد ولا حتى كيف يستطيع أن يخرج من الوضع الذي هو فيه ، نعم حاصر نفسه بشدة وكأنه يجلدها في بعض الأحيان ، كان المستشفى بالنسبة له المهرب ، والبيت كان له السجن والقيود ، كثيراً ما يفقد توازنه ، كثيراً ما كان يبحث عن نفسه في لفحة هواء أو بصيص ضوء ، يتدثر الوجع ويغزو السماء بعينيه وكأنه طير حر قُصت جناحاه ونُتفت ريشه ، لقد أودع حمدان بن هاشل العدوي في هذه الرواية أبعادا كثيرة في الشخصية جعلت من الرواية أيقونة أدبية فيها من الأبداع ما يكون مدرسة لغيرة من الرواة ، ربما هو لم يصنع أحداثها لأتها حقيقية ، لكنه أجاد نقل أدق تفاصيلها وأنعم خيوطها ، وتطورها وكأنه يمتلك بيده ريشة فنان ليزخرف لوحة فيها من تضارب الألوان الكثير ، لكنها لم تفقد بريقها إنما خرجت بصورة تذهل العقول وتسرق الألباب .

أرى بأن حمدان بن هاشل العدوي شق طريق الألف ميل بخطوة ، فإذا كانت هذه هي أول باكورة رواياته ، وهي بهذا الإتقان الأدبي المتناهي ، فما سوف يأتي بعدها سوف يكون فعلاً مدرسة في فن الرواية ، ربما البعض عندما يقرأ ما كتب يظن إنني أبالغ كثيراً ، لكنني أدعو من هذا المقال جميع الكتاب والرواة على قراءت رواية ( ولادة في كنف الملائكة ) ليحكموا بأنفسهم .

في المقال القادم سوف أطرح تحليلي النقدي عن روايته الثانية ( أسرار من بوابة القادمين إلى صلالة ) .

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى