السياحي

ذاكرة واحدة تطرَّزُ بالبخور والعنبر

آمنه بنت محمد البلوشي

“لو أن أهل عُمان أتيت ما سبّوك ولا ضربوك”، قالها النبيّ ﷺ، ولم تكن مجرّد كلمات، بل كانت نافذةً نبوية على طينةٍ نقيّةٍ من أهل عمان، أهل اللين والسّكينة، الذين يفتحون أبوابهم كما يفتح البحر صدره للموج.

وفي الجزائر، هناك صدًى لذلك النقاء، في تلمسان العريقة، ووهران الراقصة على أنغام البحر، وفي قسنطينة المتدلّية من الجسور كعقدٍ على جيد القصيدة.

من بحر عُمان إلى خليج الجزائر، تنساب رائحة اللّبان الحوجري من ظفار، فتستقبله الأزقة برائحة الرشتة بالمرق والخضار، ويتعانق طاجن الزيتون مع نكهات الشواء العُماني، وتتعانق القصص بين جبل سمحان وجبل الأوراس.

وفي الحكايات، تتشابه الخطى:

سلطنة عُمان فتحت قلبها للإسلام برسائل النبي ﷺ، واستجابت طوعًا دون حرب. والجزائر، دخلها الإسلام مع عقبة بن نافع، ثم زُيّنت ببهاء الأندلس، فحملت العلم والحرف والموسيقى، وجعلت من قصورها منابر للحبّ والحرية.

على صعيد السياحة، تتشابك الطرق:

كأنّ الجبل الأخضر يُراسل جبال الأوراس، وكأنّ كهف الهوتة يحكي مغامرته لـمغارات بني عاد.

وفي وادي دوكة، تسيل شجرة اللّبان بدمعها الأبيض، كما تسيل في وهران نغمة “الراي” من أوتار العود.

وفي الأسواق، تتقاطع اللهجات والضحكات.

المرأة العُمانية تختار “الشادر” المطرّز، بينما المرأة الجزائرية تختار “الكاراكو” الفاخر، وكلتاهما تنظر في المرآة فتُشبه الأخرى.

وحين نتخيل الغد، فلا بأس أن نحلم بـيومٍ عُماني في الجزائر، تُشعل فيه المبخرات في شوارع تلمسان، وتُقدَّم الحلوى والتمور العُمانية في مقهى قديم بوهران، وتُصدح “العيّالة” قرب الجسور المعلّقة.

ويقابله يوم جزائري في سلطنة عُمان، تُغنّى فيه أنغام المألوف في قلعة نزوى، ويُقدَّم طاجن الزيتون بجانب رز الكبسة، وتُلقي طفلة من صلالة زغرودة تعلمتها من صديقة جزائرية عبر الإنترنت.

بل نحلم بأكثر من ذلك…

عرسٌ رمزيّ بين البلدين، ليس بين شخصين، بل بين ثقافتين. يجتمع فيه اللباس والحناء، وتُزيَّن القاعات بزهور من الجبل الأخضر وورود من قسنطينة، وتختلط الزغاريد بعبير اللّبان والعنبر، وتُكتب الدعوات بزخرفة عُمانية وحرف مغاربي.

ذاك الحلم لا يحتاج تأشيرة، ولا حدودًا، بل يحتاج قلبًا عربيًا واحدًا يؤمن بالجمال والتشابه، ويصنع من الاختلاف تناغمًا، لا صراعًا.

فهل نبدأ بخطوة؟

بيومٍ ثقافيّ في كلا البلدين، أم بحكاية تُروى على لسان عطر، أو نغمة، أو طبق؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى