النصوص

دمعة في حضرة الذكرى

طاهرة الشامسية

في حضرة الذكرى، أضعف، وأتلاشى كأنني لم أُخلق من صبر، ولا عُجنتُ بطين الرجاء. في ذكرى أمي، تسقط مني كل الأقنعة، وتُخلع عن قلبي كل دروع التحمل، وتنبثق دمعة.. ليست ككل الدموع، بل دمعة مقدّسة، دمعةٌ لأمي.

أمي.. يا سيدة الحنان الأولى، ويا أنشودة الفجر حين كان العالم ينام. كيف للوقت أن يمرّ دون أن يسألك عني؟ كيف تجرأ العمر أن يواصل طريقه وقد غبتِ عن ضيائه؟ كيف للكون أن يُشرق وأنتِ لستِ فيه؟ كنتِ سرّ دفئي، ومصدر دعائي، والمرآة التي كنت أرى فيها نفسي نقية كما أردتِني أن أكون.

في ذكرى رحيلك، تزدحم الذاكرة بي، وتنهض صورك من سباتها، واحدة تلو الأخرى.. صورتك وأنتِ تُمشّطين شعري بخفة حنانك، وتُسرّبين في أذني دعاءً كأنّه وردة من الجنة. صورتك في المطبخ، تعبق رائحة الخبز الطازج بالحب، وأنتِ تبتسمين لي رغم التعب. صوتك، ضحكتك، وحتى صمتك حين كنتِ تجلسين بجانبي دون أن تقولي شيئًا.. كل ذلك أصبح الآن ذكرى تستوطنني.

رحلتِ يا أمي.. لكنكِ ما متِ، بل انتقلتِ لتعيشي في ذاكرتي، في ضلوعي، في دمي، في دعائي كل فجر وكل مساء. عيوني لم تتعلّم كيف تجف حين يُذكر اسمك، وقلبي ما زال يخطئ في التصديق بأن الحياة تمضي دونك.

أمي.. ما زلت أفتقدك كما يُفتقد النور في آخر الممر، كما يُفتقد الأمان في حضن العالم. وكلما هبّت ريح الذكرى، أسقطُ في حضن الغياب، كطفل يبحث عن عباءتك ليختبئ من وجع الحياة.

وفي حضرة الذكرى، تنزل دمعة.. دمعة لأمي، دمعة لا تواسيها الكلمات، ولا تجففها السنوات. دمعة تكتب على وجهي أن الفقد لا يُنسى، وأن الأمهات حين يرحلن، لا يتركن فراغًا فحسب، بل يسرقن قطعة من السماء كانت تسكن بيوتنا.

رحمكِ الله يا أمي، عدد ما ناديتك، وعدد ما اشتقت إليكِ، وعدد ما بكيت في صمتٍ لم يشعر به سواكِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى