
اتصل بي الفجر وقال لي بصوتٍ مضطرب: “أم منذر، تعالي بسرعة.”
شعرت بالخوف لأنني منذ صغري أتشاءم من الاتصال أو جرس الباب في هذا الوقت تحديدًا.
فجرس او هاتف الفجر في مخيلتي لا يعني سوى شيء سيئ قد وقع… كبرت وما زالت هذه الفكرة تسكنني، تطاردني، لا تفارقني، وفي هذه الليلة… تحقق ما كنت أخشاه دومًا.
مشيت متثاقلة قدماي لا تقويان على حملي وجسدي أثقلته الهواجس، كلما اقتربتُ، تباطأت خطواتي، وكأنني أقاوم الوصول، عقلي يصوّر لي صورًا لا أريد تصديقها وقلبي يكذبها بعنف كأن بينهما صراع لا ينتهي.
وصلت إلى الباب، لكنني لم أستطع فتحه لم يكن مغلقًا، ولا كان ثقيلًا، بل قلبي هو من أثقله الخوف… كنت أخشى أن أفتحه فأرى بعيني ما حاولت نفيه داخلي لكني قلت لنفسي: لا بد من الدخول لا بد من مواجهة الحقيقة، ربما هي مجرد أفكار سوداء، وربما هو وهم.
دخلتُ وأنا مغمضة العينين، لا أريد أن أرى شيئًا، لا أريد أن أتفاجأ ففي تلك الغرفة يرقد أعظم رجل عرفته في حياتي، هو سندي، هو قوتي، هو أبي.
دعوت الله في سري: “يارب، اجعله وهمًا… يارب، لا تأخذ والدي”، نظرتُ إلى أخي كانت عيناه ممتلئتين بكلماتٍ عالقة، تكاد تنطق لكنها تخاف، ثم تمتم بصوتٍ مكسور: “أبوي… راح.”
قالها وكأنها خنجر، غرز في قلبي، رحل أبي… غادر الحياة… رحمة الله عليه، صبّر الله قلبي.
فتحت عيني، فرأيته كما عهدته وكأنه نائم نومته المعتادة، رحمك الله يا أبي، وجعل مثواك الجنة، وما زال قلبي يرتجف من رنين هاتف الفجر… ومن جرس الباب في ذلك الوقت.



