
عندما يأتي رجلٌ من بعيد… من وراء النهر، من تلك الأرض التي تتناوب عليها الرياح القادمة من سمرقند، وتُشعل في القلوب حنين بخارى، وتفتح أبواب الذاكرة على أنديجان وفرغانة وقوقند ونامنجان…
يأتي رجل من بلادٍ كان يُقال عنها قديمًا: إذا ذُكرت العلوم فموطنها خراسان، وإذا ذُكر الإيمان فوجهه عُمان.
يأتي هذا الرجل الصالح الأوزبكي، محمَّلًا بروائح التاريخ، فيطأ مسقط، مدينة البحر واللبان وتضاريس الجبال والنور بل وتنفتح له القلوب العمانية بالرحابة والبشر والسرور والإبتسامة وكأنه هو نفسه عماني من إحدى قرى عُمان إنه التقي الأزبكي والصديق ابا محمد عبدالسلام بن حاتم،
فيرى عُمانَ التي لا تزال على عهدها: إسلامٌ خاشع، خُلقٌ نبوي، وقلوبٌ ما فارقت الفطرة منذ ألف عام.
يُصلي في مساجد قُراها، يمشي بين بساتينها، يشرب ماء أفلاجها الذي يهمس بسريّة العصور… ثم يفاجأ — لا، بل يُبهَر — بأن الشعب العُماني، رغم بُعد المسافات وسياط الزمن، ما زال يحمل أنوار خراسان في قلبه.
كيف لا؟ وهو يسمع قصيدةً كاملة يحفظها ولد نجيب تقي تربى في بيت طاهر من بيوت عمان ثم صقلته تربية الشيخ والعالم الرباني الجليل الكريم فضيلة نور العلم حمود بن حميد الصوافي مشكاة مصباح ولاية سناو من شرقية عمان ، نعم كان يختزلها هذا الشاب ابن الشيخ الجليل في العلم وتلميذه الساطع بالأخلاق الرفيعة العالية في ذاكرة جهاز الإتصالات الخاص به إنه طالب العلم الشيخ لؤي بن عبدالله بن سالم الحسيني وهذه القصيدة نظمها شاعر عماني، وهي قصيدة تُوقد الحنين لخراسان، كأنها مكتوبة على صفحة من الماء الأول وعندما اسمعته هذه القصيدة إنسكبت عيناه تذرفان بالدموع وكان ذلك في ضيافة وبيت فضيلة الشيخ في المغدر السناوية.
وعندما يسمع الأسماء… الترمذي والبخاري: نهران جاريان من نور الحديث. ابن سينا: ترياق الأمم وعقل الحكمة. الخوارزمي: الذي فتح باب الجبر فدخل منه الكون. البيروني: راصد الشمس والفرقد وصاحب أسرار الأقاليم.
الدارمي: عبقري الهندسة والظل والزوايا وأقطاب الأرض. القوشجي: بحر الفلك. ألوغ بيك: العالم الأمير، الذي جعل الرياضيات عرشًا والمعرفة تاجًا.
تفيض دموع الرجل الأوزبكي، ويهتزّ قلبه كوتَرٍ حرّكته نفحةُ محبةٍ لم يتوقعها.
هنا تتجلّى الحقيقة العميقة: أن العُمانيين حملوا ذكر خراسان لأن بينهم وبين أهلها رباطًا قديمًا، رباطًا بدأ يوم مشى المهلب بن أبي صفرة الأزدي، فاتحًا بلاد ما وراء النهر، يؤسس جسورًا من روح لا تهدمها الدهور.
أيُّ سِرٍّ هذا؟ شعبان يفرّقهما الجغرافيا والعرق، لكنّهما منصهران في الروح، كأن بينهما عقدًا قديمًا صُنع من ماء واحد، وهواء واحد، وتراب واحد. عقدٌ لا يعرف الحدود الزمنية ولا خرائط الأرض.
ونحن — كقرّاء، كبشر، كمحبين — نزفّ التحايا للشعبين الأصيلين، أبناء العلم، أبناء الإيمان، أبناء تلك اللحظة التي تلاقت فيها الأرواح قبل أن تتفرّق الأجساد على القارات.
وتحيةٌ نبعثها، عاليةً كالمآذن، إلى سفير وسفارة أوزبكستان، علّها تصل إلى الشعب الأوزبكي الكريم، وتقول لهم: إنّ لكم في عمان أهلًا ينتظرونكم بالمحبة قبل السلام.
وتحية أخرى — أكبر من الحروف — للشاعر العماني سالم بن حمدان الحسيني السمائلي من بلدة سرور العامرة ، الذي جعل من القصيدة سفينةً تأسر الروح و تُبحر من مسقط إلى بخارى.
ثم نختم هذا الربط المبارك بما لا يُنسى: أن المدرسة التي جمعتهما (سلطنة عمان وأزبكستان ) ليست مدرسة جغرافيا ولا سياسة، إنما هي مدرسة البصرة، مدرسة مسلم بن أبي كريمة، وتاجُها الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني النزوي من قرية فرق، ذلك النور الذي استقى العلم من أكثر من سبعين صحابيًا، ثم أطلق تلامذته رسلًا إلى خراسان والمغرب وعمان وشرق أفريقيا ومالي والنيجر والأندلس كما أن البعض حملتهم الصواري العمانية الى الشرق الصيني وبلاد الواقواق ما يعرف اليوم ايضا بماليزيا وأندونيسيا وبقية …
ومن أمثلة ذلك ما خطه الشيخ الباحث سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني في كتابه ( رحلة البحث عن سبعين بدرياً) من خلال الإصدار السابع ذاكرة عمان الطبعة الأولى ١٤٤٦ هجري/ ٢٠٢٥م.
حيث قال في الصفحة ٣٤ ” ومن خوارزم،أبو يزيد الخوارزمي، ومن خرسان،هلال بن عط، وهاشم بن عبدالله، وحاتم بن منصور”
ومن بركات تلك المدرسة المتصلة بالإمام جابر بن زيد الأزدي العماني أن يسافر أبو غانم بشرُ بن غانم الخرساني (أواخر القرن الثاني الهجر) الى البصرة فيحفظ أقوال أسياخ البصريين والبغداديين والكوفيين فيمر الى المغرب عبر مصر ثم يفد عند عبدالوهاب بن عبدالرحمن (٢٠٨ هجري)ويوثق ذاك في كتابه المشهور بالمدونة أو الغانمية… والذي حوى دقة عجيبة في رواية الآثار ونسبة الأقوال.
كما ان ينسى التاريخ الاسلام هاشم بن عبدالله الخرساني ذلك الحافظ الذي يجيب على المسائل من خلال حفظة بما يشفي الغليل.
كانوا — هؤلاء العلماء — رُسُل علم، ولكنهم قبل ذلك كانوا رُسُل قلوب.
فمن قلوبهم وُلد هذا الجسر الخالد بين ازبكستان خراسان حنين صروح العلم وعُمان مهد قلاع الأبطال وحصون الكرم والحلم.
(( عُمان وخراسان… رباط من الأزل))
ما يجعل العلاقة بين الشعبين علاقة “أزلية” ليس فقط التاريخ، ولا العلماء، ولا السياسة، بل تشابه الأرواح.
الأرواح التي لا تعرف الحدود، ولا تفرّقها اللغات، ولا تغيّرها القرون… الأرواح التي تعرف بعضها منذ الخلق الأول، فإذا التقت — ولو بعد ألف عام — عرفت نفسها، وعرف بعضها بعضًا.


