الثقافي

حين يُقصى المثقف..

فايل المطاعني

في الزمن الذي يُفترض فيه أن يكون المثقف ضمير الأمة وعقلها الجمعي، يُفاجأ المرء بتراجعه إلى الصفوف الخلفية، مستبدلًا بأصوات جوفاء تملأ الساحة بضجيج لا فكر فيه، ولا وعي يحمله. ظاهرة مؤلمة، بل كارثة فكرية، أن يصبح “أنصاف المثقفين” هم واجهة المشهد الثقافي، وأن تُقصى العقول النيّرة عن منابر التأثير.

لم يعد المعيار هو العمق أو الاجتهاد أو الإنتاج الفكري الرصين، بل باتت “الشهرة اللحظية” هي الطريق الأسهل إلى قلب الجمهور. أصبح المثقف الحقيقي غريبًا في وطنه الثقافي، تائهًا بين منصّات لا تقيس القيمة بل تروّج للسطحية، وبين جمهور استُهلك وعيه حتى بات يصفّق للجهل ويستهين بالمعرفة.

لقد تحول الكثير من “المثقفين” الجدد إلى مؤثّرين رقميين، لا يكتبون كتابًا، ولا يشاركون في ندوة، ولا يقرؤون كتابًا خارج دوائر الضوء. شعاراتهم بليدة، وكتاباتهم مشوّهة، وأفكارهم لا تصمد أمام اختبار المنطق أو التاريخ. ومع ذلك، يملكون آلاف المتابعين، وربما الجوائز.

فأين ذهب المثقف الحقيقي؟

ربما لم يختفِ، لكنه انسحب.

انسحب لأنه لم يجد منصة تحترم فكره، ولا جمهورًا يصغي بعين الإنصاف.

انسحب لأنه لم يُدعَ إلى الطاولة، بل طُلب منه أن يُصفّق من بعيد.

ولكن، هل يُلام حين ينكفئ؟

إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط الدفاع عن “المثقف المُقصى”، بل إعادة تعريف “المثقف” نفسه. فالمثقف الحقيقي ليس مجرد حامل لشهادة، ولا كاتبًا مزهوًا بلقب. هو موقف، ووعي، وضمير حي. هو من يُقلق السائد، ويوقظ الضمير، ويضع الإصبع على الجرح دون وجل.

وختامًا،

قد يُقصى المثقف فترة من الزمن، وقد تُطفأ أنواره عمدًا، لكن الفكرة الصادقة لا تموت. والتاريخ لا يحفظ سوى من أضاء العقول، لا من زاحم في الهامش. أما أنصاف المثقفين… فمصيرهم النسيان، مهما دوّت أصواتهم يومًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى