الثقافي

حين يكون الصمت هو الرد الأبلغ

عادل بن رمضان مستهيل

في حياتنا اليومية، كثيرًا ما نسمع كلمات لا نحبها، تصدر أحيانًا من أناس نحبهم ونظن أنهم يعرفوننا جيدًا. كلمات قد تجرح دون أن تُقصد، وقد تصيب القلب قبل أن تستقر في الأذن. هنا، يقف الإنسان أمام خيارين: أن يرد بما يشعر، أو أن يصمت ويكتم ما في قلبه.

ففي سورة يوسف، نجد مشهدًا بليغًا لحكمة الصمت، حين يقول الله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ}. لم يكن ذلك مجرد صمتٍ عابر، بل موقفًا تربويًا راقيًا من نبيّ كريم. يوسف عليه السلام، وقد سمع من إخوته ما يؤذيه، لم يغضب، لم يرد، ولم يُظهر ما شعر به، بل اختار أن يحتفظ بما في صدره. وفي هذا الكتمان كانت حكمته، ورباطة جأشه، وسموّ أخلاقه.

الصمت في بعض المواقف لا يعني الضعف، بل هو دليل على نضجٍ داخلي، وتقدير لعواقب الكلمات. كم من علاقة انقطعت بسبب ردّ غاضب، وكم من احترام بقي لأن أحد الطرفين اختار التجاهل. فالكلمة حين تُكتم أحيانًا، تحفظ كرامة، وتمنح الوقت لتتضح الأمور، وتقي النفس من ندمٍ لاحق.

الرد على الكلمات الجارحة ليس دائمًا ضرورة، بل قد يكون الصمت أبلغ من ألف تبرير. أن تكتم غيظك، وأنت قادر على الرد، هو قمة السيطرة على النفس. وهذا ما يجب أن نعلّمه لأبنائنا، لا أن نسكتهم في وجه الظلم، بل أن نربي فيهم حسن التقدير: متى يتكلمون، ومتى يصمتون، وكيف يكون الصبر قوة وليس خنوعًا.

لقد أصبحت ردود الأفعال السريعة سمة هذا العصر، وأضحى البعض يفاخر بحدة لسانه وسرعة رده. لكن القلوب الراقية لا تُستفز بسهولة، والعقول الواعية تعرف أن بعض الردود لا تنفع، وأن الكتمان في وقته، نجاة.

فلنتأمل هذا النموذج النبوي العظيم، ولنجعل من الصمت الواعي خُلقًا نزرعه في نفوسنا، وفي من نربيهم. ففي الكتمان أحيانًا، حفظ للنفس، وصون للعلاقات، وارتقاء لا يراه إلا من عرف قيمة الصمت.

وختاما… قال تعالى :- ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ سورة آل عمران، الآية 134

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى