الثقافي

حين يغتالُ العبثُ قداسةَ “اقرأ”

حسين بن علي الدروشي

مشهد يتكرر في كل عام، ومع انتهاء اخر يوم للامتحانات، يرتفع في الأفق ضجيجٌ غريب، ليس ضجيج النصر، بل هو ضجيج انكسارِ القيم. وبينما يظن البعض أنها لحظة انطلاق نحو الحرية، يراها العقلاء والغيورون مأتماً صامتاً يُقام على أرصفة الطرقات وأفنية المنازل. إنها تلك اللحظة القاسية التي تتحول فيها “أوراق المراجعة” و”دفاتر الملاحظات” وبعض الكتب الدراسية إلى أشلاءٍ بيضاء تذروها الرياح، وتدوسها الأقدام، وتُصورها الهواتف لتُنشر في فضاءٍ افتراضي يقتات على تشويه الجمال والوطن.

كيف وصلنا إلى هذا الحد من القسوة مع الحبر؟ إن العلم في ديننا ليس مجرد تحصيلٍ للمعلومات، بل هو فريضةٌ وعبادة. إن أول كلمة صافحت سمع النبي الكريم ﷺ كانت “اقرأ”، لتكون إعلاناً سماوياً بأن هذه الأمة هي أمة القلم والكتاب. إن الله الذي قرن شهادة أولي العلم بشهادته وشهادة ملائكته، أراد للعلم أن يكون نوراً يسكن القلوب، لا عبئاً يُلقى في سلال المهملات.

حين يمزق الطالب ورقةً تحمل علماً نافعاً، فإنه لا يمزق الورق، بل يمزق صلة الوصل بينه وبين الرقي. العلم هو الذي يبني الشخصية، ويحرر العقل من الخرافة، ويغرس الخشية في القلب. فكيف لهذ القلب أن يخشى الخالق وهو يرى اسم الله، أو حقائق الكون، أو عرق المعلمين، يُداس تحت الأقدام في مشهدٍ يبعث على الكثير من الأسى والألم؟

الفرح مشروع، بل هو حق طبيعي لكل إنسان بذل جهداً واستحق الراحة. ولكن، هل يُبرر الفرحُ الفوضى؟ وهل يعطي الإنجاز صكاً لإهانة الطريق؟ نحن نعيش في مجتمعٍ إسلامي عُماني أصيل، تربى على السنع والوقار، وعلى قيم “كف الأذى” واحترام الطريق. إن رؤية الطرقات وهي تكتسي ببقايا الدفاتر في مشهد “جنائزي” للقيم هو طعنة في صدر المواطنة الحقيقية.

يا طالب العلم، إن تلك الملاحظات التي كتبتها بيدك هي شاهدةٌ عليك. هي “أثرٌ” سيبقى من عمرك. فكيف ترضى أن يكون أثرك في نهاية العام الدراسي “نفايات” مبعثرة؟ إن الفرح الحقيقي هو الذي يتوج بـ “حفظ النعمة” وصون البيئة، وليس بتشويه جمال هذا الوطن الذي منحنا كل شيء.

وهنا يشتد الألم حين نلتفت إلى “الحصن الأول”، إلى الأسرة. إن من أشد المشاهد حزناً أن نرى وليّ أمرٍ يقف موقف المتفرج، أو ربما يُمسك بالهاتف ليصور ابنه وهو يمزق كتبه، مشجعاً إياه على حصد “المشاهدات” والمتابعين.

يا أيها الآباء، إن دوركم لا يقتصر على تأمين الحقيبة والمصروف؛ أنتم صمام الأمان لسلامة عقول الأبناء. إن صمتكم عن هذه السلوكيات هو خيانة للأمانة التربوية. كيف نرجو جيلاً يبني وطناً وهو لا يحترم “كتابه”؟ كيف ننتظر طهارة قلوبٍ تُشحن برغبة الشهرة على حساب كرامة العلم؟ إن المواطنة تبدأ من احترام ممتلكات الوطن، ومن غرس الإيمان الكامل بأن كل تصرف يصدر من الطالب هو انعكاس لصورة بلده وأهله.

المدرسة هي الموجه الذي يغرس “الاستدامة المعرفية”. يجب أن يتعلم الطالب أن الكتاب يمكن أن يكون صدقة جارية، وأن دفتر ملاحظاته قد يكون طوق نجاة لأخيه أو أخته أو زميلٍ له في الأعوام القادمة.

والبدائل كثيرة لتفريغ هذه الفرحة كبنوك الكتب تتمثل في إيداع الكتب والدفاتر في صناديق مخصصة لإعادة التدوير أو إهدائها للمحتاجين، او مبادرات التدوير لتحويل الورق إلى طاقة إيجابية تخدم البيئة لا تضرها او الاحتفالات المهذبة بتقديم كلمات الشكر للمدرسة و للمعلمين.

إن ما نراه اليوم من مقاطع تسيء للعلم في مواقع التواصل هو مؤشر خطر على تراجع منظومة القيم. إن تحويل أوراق العلم إلى محتوى للسخرية هو قتلٌ للهيبة. إننا نعتصر ألماً على أولئك الذين استبدلوا الوقار والهيبة بـ “لايكات” زائفة.

يا أبناء وطني، إن اليد التي تمزق كتابها اليوم، قد تعجز غداً عن بناء وطنها بوقار. البناء يبدأ من احترام الأدوات، ومن تقديس الوسيلة التي أوصلتكم للنجاح.

ختاماً، يا من أنهيتم فصلاً دراسياً شاقاً، اجعلوا ختام رحلتكم “مسكاً”. اجعلوا دفاتركم إرثاً يستفيد منه من خلفكم، وصونوا ممتلكات وطنكم، واحفظوا للطريق طهره وللمكان قدسيته. العلم الذي لا يهذب السلوك هو علمٌ ناقص، والنجاح الذي يترك خلفه فوضى هو فشلٌ مغلف.

فلنتعاهد جميعاً — أسرًا ومدارس وطلبة — على أن يبقى العلم عزيزاً، والكتاب مكرماً، وأن يظل الفرح بحدود المسؤولية، ليبقى وطننا شامخاً، وطهارة قلوب أبنائه فوق كل اعتبار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى