
في المساءات الأولى من العمر، حين كان الليل لا يُخيفنا، بل يحتضننا مثل وشاحٍ دافئ، كانت أمي تُضيء الغرفة بصوتها، لا بمصباح. كانت الحكاية تبدأ حين تنتهي كل الأشياء، وحين تهمّ العيون بالإغلاق، لكن القلب يفتح نوافذه ليستقبل العجائب.
تحت ضوء السراج “بو فتيلة”، والظلّ يتراقص على جدران الطين، كنا نتحلق حولها كمن يجلس في حضرة كنزٍ قديم. لم تكن تقرأ من كتاب، بل من ذاكرةٍ موروثة، ومن قلبٍ امتلأ بالحكايات كما تمتلئ السماء بالنجوم.
“كان يا ما كان، في قديم الزمان…”، كانت كلماتها الأولى مفتاحًا لعالمٍ سري، لا تراه إلا القلوب الطرية. لم تكن تحكي عن أناسٍ فقط، بل عن العوالم التي لا نراها.
كنا نرتجف حين تروي لنا عن ولد إبليس، الذي يتخفّى في هيئة إنسان، يطرق الأبواب ويبتسم، لكن في عينيه نارٌ لا تُطفأ. رجله اليمنى من منشار واليسرى من سكين تشهق كلما صمت الليل.
وكانت تحذرنا من بنت إبليس، التي تظهر بين جنبات رمال البحر بكامل زينتها، كأنها عروس بحر، تخدع بصوتها الرقيق ونظراتها المائية، وتغوي المارّة قبل أن تنكشف حقيقتها عند أول ضوء.
ثم تغوص بنا إلى البحر نفسه… حيث تسكن مخلوقات غريبة، لا نعرف إن كانت بشرًا أم شيئًا آخر، لكنها تعيش مثلنا تمامًا.
تقول إن في بعض الخلجان البعيدة، عند الجزر التي لا تُرى، هناك كائنات تُشعل مصابيحها ليلًا، وتطبخ، وتغني، وتُحذّر أبناءها منّا، كما نحذر نحن أطفالنا منهم.
وفي مدينة صور، المدينة التي غسلتها الشمس وملّحها البحر، لم تكن الحكاية تُسمّى “قصة” كما نعرفها اليوم، بل خُروفة.
وكانوا يقولونها بشيء من الدفء والمزاح والخوف أحيانًا…
“يلا نسمع خُروفة”،
وكأن الكلمة نفسها تُمهّد للعبور إلى عالمٍ لا تحكمه قوانين الواقع، بل خيال الجدّات، وهمس الأمهات، ودهشة الأطفال.
الخُروفة لم تكن مجرد سردٍ للتسلية، بل كانت مرآة للمخاوف، وميناء للأمان، ومحرّكًا سريًا للقيم.
فيها نَسجت الأمهات قوانين السلامة من غير شرطة علمت الأطفال الحذر من الغرباء، احترام الطبيعة، والتفريق بين ما يُرى وما يُخفى. كانت الخُروفة تُربّي من دون صوتٍ عالٍ،
تزرع القيم في طيّات الخوف،
وتخبئ الحكمة في عباءة الجنّ والبحر.
في ليالي الصيف، حين تشتدّ حرارة الجو، كنا ننتقل للنوم فوق السطوح، تحت ضوء النجوم واكتمال القمر. هنا كانت الحكايات تتغيّر.
من جدار السطح العالي، كنا نشاهد الحارة كلها تنبض على الجدران… كل ظلٍّ يتحرك كان حكاية بحد ذاته، وكأننا أمام شاشة سينمائية صغيرة، نرى العالم من أعلاه، ونصغي لقصصه كما تُروى في السماء.
على هذه السطوح، كانت أمي تنثر لنا حكايات لا تُشبه النهار:
• عن الضباع التي تخرج ليلاً، ومن يركبها يكون من الجنّ. تقول إن الضبع إذا نظرتَ في عينيه مباشرة، رأيت الراكب فوقه، لا يظهر لك بالكامل، بل ظلٌ طويل وابتسامة جانبية مرعبة.
• عن الشيخ الغامض، لا يخرج إلا ليلاً، يركب حصانًا ضخمًا، ويعبر الممرات الضيقة، يحمل سلاحًا لا يُرى. ويُقال إنه لا يظهر إلا حين يرى السراج مضاءً في الحوش بعد منتصف الليل… يأتي لا ليؤذي، بل ليُذكّر أن في الليل أرواحًا تحفظ النواميس القديمة.
• عن الجني الصغير مسكين، الذي كان يحب سرقة ملاعق الطعام فقط. لا يؤذي، بل كان يجمعها ليقيم بها عُرسًا تحت الأرض. تقول جدتي إنه كان يسرق ملاعقنا ليطبخ بها شوربة من العصيدة للجنّ. لكن حين غضبت أمه عليه، اختفى… وكلما فقدنا ملعقة، كانت تبتسم وتقول: “رجع مسكين، بيعرّس مرّة ثانية!”
• عن الدجاجة الخارجة من المقبرة. تظهر ليلًا، بصحبة صغارها، تمرّ من الأزقة بهدوء، لا تُصدر صوتًا. كانت أمي تقول إن ظهورها نذير بمرض أو خبر سيئ، لكنها لا تؤذي، بل تُنذر… وعليك إن رأيتها أن تقول “اللهم اجعلها خيرا
وحكايات أخرى … نثرت في أروقة ذاكرتنا.
في إحدى الليالي، حكت لنا أمي عن حليمة، الطيبة التي حلمت ببرجٍ في الجبل وكنزٍ تحرسه أفعى نائمة.
ذهبت كما في الحلم، وسرّها أفشاه الجار،
وعندما سحبت الجُحلة… لم يكن فيها ذهب، بل رماد.
نظرت إلى الجار وقالت:
“ليتني ما أخبرت أحدًا.”
وهمست أمي:
“استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان…”
فلم تكن الحكاية عن الكنز، بل عن الصمت، عن الأحلام التي تذبل إذا انكشفت قبل وقتها.
خروفة العنكبوت
تقول أمي، حين نبحث عن شيءٍ ضائع،
تبتسم وتقول:
“اليوم عند العنكبوت عُرس.”
وإذا سألنا، أكملت بنعومة:
“أنثى العنكبوت، لا تسرق، بل تستعير ما نُهمله… لتزيّن به عُرس أولادها.”
وبالفعل، يعود الغرض المفقود في مساء اليوم نفسه، في مكانٍ غريب.
فتضحك أمي وتقول:
“رجّعتها… قالت شكراً.”
وهكذا نعود جزءًا من خُروفة كونية، فيها العنكبوت لها قلب، والحكاية لها نية، والأمّ تُربّي بالدهشة.
خروفة القراد والنملة… رغيف لم يُكتب له أن يُؤكل
في ظهيرةٍ لزجة، والشمس تفرد شعرها على رؤوس المساكين، قرّر القراد — بعد تفكير دام ثلاثة أيام ونصف — أن يصنع رغيفًا بيديه.
قال: “مللتُ التطفل، أريد أن أكون شريف خباز!”
لكن الطحين؟ لا طحين!
شدّ حزامه من شعر الذيل، وذهب يطرق أبواب الجيران.
وصل عند بيت النملة، بيت مرتب مثل دفتر رياضيات.
قال لها: “جارتنا الكريمة، أُريد قليلًا من الطحين.”
قالت النملة، دون أن ترفع رأسها من دفتر الحصاد:
“ما عندي وقت، عندي مهمة جمع بيض النمل مع أبو مشغول، راجعي بعد العصر.”
لم ينتظر. ذهب إلى النحلة، ثم إلى أبو الحنظل، ثم إلى بيتٍ يسكنه فأر أديب.
جمع ملء الكف من الطحين، وعاد مزهوًا كمن اكتشف النار.
حفر حفرة صغيرة خلف الصخرة الكبيرة، وجمع حطبًا من جذوع الخرافات القديمة، وسخّن طوبق فوق الفحم.
كان ينفخ بجدية لم يعرفها من قبل، حتى احمرّ أنفه.
مرّت النملة وقالت:
“ماذا تفعل يا قرّود؟”
قال: “أخبز… لا تقتربي، الطوبق ساخن كقلبي حين يُظلم.”
قالت بفضولها المعروف: “بس أشوف شوي…”
قال: “قلت لك لا تقتربي!”
لكن النملة اقتربت.
اقتربت كثيرًا.
اقتربت أكثر مما ينبغي لأي نملة فضولية أن تفعل.
وفجأة… طَق!
التصقت النملة بعجينة الرغيف، مثل الزبيب في كعكة العيد!
صرخت: “سَاعدني!”
قال القراد وهو ينفخ على الرغيف:
“هذا عقاب المتطفلين… ما دخلتِ الطوبق، دخلتِ التاريخ!”
ومن يومها، صارت الأمهات يقلن للأطفال:
“لا تقترب من شغل ما يخصّك، وإلا… تلصق مثل النملة في رغيف القراد.”
وهكذا بقي القراد بلا رغيف، والنملة خروفة الحذر، والحكاية… دافئة على نار الذكرى
آمنه بنت محمد البلوشي
Ayaamq222@gmail.com



