حين يتقابل البحر والجبل: تشابه الروح بين سلطنة عُمان والجزائر في السياحة والتبادل الثقافي والتجاري
آمنه بنت محمد البلوشي

ليست المسافة وحدها ما يفصل سلطنة عُمان عن الجزائر، بل هي أيضًا ما يمنح التشابه بينهما طعمه الغريب الجميل، كأنّ الطبيعة قررت، رغم البُعد، أن تتآلف بين بلدين عربيين نُسِجا من طين الكبرياء والحكمة. هناك، في الجزائر، كما هنا في سلطنة عُمان، تعانق الصحراء الجبل، ويجاور البحر الذاكرة، وتتشابه أنماط السياحة كأنها مرايا تعكس ملامح الروح نفسها في وجهين مختلفين.
في صحراء الجزائر، تُدهشك كثبان تيميمون، حيث الرمال تتلون بأطياف المغيب، وفي جانت تنبض الحياة الطوارقية على وقع أنغام الدف. وفي صحراء سلطنة عُمان، تفتح رمال وهيبة صفحاتها للمتأملين، حيث الليل مليءٌ بالنجوم، والخيم تمتد كأنها نُقوش من شعر. الصحراء في كلا البلدين ليست فراغًا، بل امتلاء بالمعنى، واكتشافٌ للسكينة، ومصالحة مع الذات.
وحين تصعد إلى الجبال، تأخذك الجزائر إلى الأوراس، شامخة ومترعة بالأساطير، حيث سكنت المقاومة، وارتفع صوت الوطن، بينما تنقلك سلطنة عُمان إلى جبال الحجر، حيث الضباب ينسدل كوشاح أبيض على كتف الجبل، والقرى تتشبث بالصخور كأنها نبتت من رحمها. الجبل في كليهما ليس عائقًا، بل مأوى، وملاذ، وكتابٌ من حِكمة قديمة.
وإن اتبعت نداء البحر، وجدت في صور العُمانية مراكب العشق القديم، تتهادى كأنها تحفظ حكايات البحّارة، وفي جيجل الجزائرية تتناثر الأمواج بين الصخور والغابات كأنها تُنشد نشيدًا خفيًا للمارين. هنا بحر العرب، وهناك المتوسط، لكن النكهة واحدة: زبدٌ أبيض، وسواحل دافئة، ووجوه تبتسم للماء كأنه جارٌ قديم.
وفي الأسواق، يلتقي العُماني بالجزائري في روح التفاصيل. في نزوى وبهلاء، كما في القصبة وتلمسان، تفوح روائح القهوة والتوابل، وتُعرض الحِرَف كما لو كانت حكايات مصنوعة باليد. كل حجرة، كل بوابة، كل عباءة، تختزن مئات السنين من الذاكرة، وتهمس للزائر أن الماضي لم يمت، بل ينتظر من يصغي إليه.
وعندما يحين موسم الخُضرة، تمتد أعين المسافرين في الجزائر إلى جبال الشريعة وبابور، حيث المطر يوقظ الأرض من سُباتها، كما تمتد في سلطنة عُمان إلى صلالة عند قدوم الخريف، حين ترتدي الأرض ثوب الزمرد وتُعزف السماء بمزمار الضباب. الطبيعة هنا وهناك ليست مشهدًا خلفيًا، بل بطلٌ حاضرٌ يُشبهنا.
وما بين الجمال الطبيعي وتفاصيل التراث، تولد فرص أخرى…
تتفتح بوابات الاستثمار والسياحة والتبادل الثقافي كزهور في ربيع جديد. سلطنة عُمان، بثقلها الجغرافي وهدوئها الاستراتيجي، تفتح ذراعيها للاستثمار الجزائري في الموانئ والمناطق الاقتصادية، وفي السياحة البيئية التي تحتاج إلى عيون خبيرة ترى في الرمال ذهبًا وفي الجبل كنزًا. والجزائر، بأرضها الواسعة ومخزونها الطبيعي والبشري، ترحب بالأفكار القادمة من الشرق، بأجنحة الطموح وروح الإخاء.
في الثقافة، كما في التجارة، تمتد الجسور من خلال المعارض، والندوات، والترجمات، والموسيقى التي تعزفها الربابة هنا، ويُجيبها العود هناك.
وفي السياحة، يصبح التنقل بين البلدين أكثر من عبور، بل هو عودة إلى الأصل، وزيارة لمرآة الذات في أرض شقيقة.
ما بين الجزائر وسلطنة عُمان، لا تُبنى العلاقات فقط على الورق، بل تُروى في القصائد، وتُكتب في الرمل، وتُعزف على الأمواج.
فهما بلدان حين يتقابلان، لا يُصافحان بالأيدي فقط، بل بالذاكرة، واللغة، والحلم العربي الواحد الذي ما زال ينتظر مَن يؤمن به، ويمضي به إلى الأفق.



