في ذاكرة التاريخ العُماني، تظل صناعة البارود إحدى الحرف التقليدية التي ارتبطت بحياة الناس وضروراتهم في زمن كانت فيه المدافع والبنادق وسيلة الدفاع الأولى عن الأرض والديار. وكان البارود – أو “الباروت” كما يُعرف محلياً – يُحضَّر بأيدٍ خبيرة وفق خطوات دقيقة وقوانين صارمة، تحفظ له جودته وفعاليته.
المكونات الأساسية
اعتمد صانعو البارود على ثلاثة عناصر رئيسة: الشورة (نترات البوتاسيوم)، والكبريت، إضافة إلى فحم شجر الأشخر الجاف. هذه المكونات الطبيعية كانت تُجمع وتُجهَّز بعناية قبل أن تبدأ عملية التحضير، التي تحتاج إلى دقة وصبر ومعرفة متوارثة جيلاً بعد جيل.
طريقة التحضير
تبدأ العملية بوضع الشورة في قدر على النار مع قليل من الماء، ويُحرَّك الخليط بعصا خشبية حتى يتبخر الماء وتصبح الشورة كالعجين. بعدها يُضاف فحم الأشخر، ويُخلط جيداً حتى يجف المزيج، ثم يُضاف الكبريت ليكتمل تكوين العناصر الثلاثة.
وبعد رفع القدر من النار، يُنقل الخليط إلى المطحنة اليدوية المعروفة محلياً بـ”الميقعة”، حيث يُدق باستمرار حتى يصبح ناعماً كالبودرة. يُنشر المسحوق بعد ذلك في صينية ويُترك تحت أشعة الشمس حتى يجف تماماً، ليصبح جاهزاً للاستعمال.
اختبارات الجودة
لم يكن البارود يُعتمد قبل أن يخضع لتجارب دقيقة. ومن بين تلك التجارب وضع كمية قليلة منه على راحة اليد وإشعاله: فإذا احترق سريعاً دون أن يترك أثراً كان ذلك دليلاً على جودته العالية، أما إذا بدا أنه سيؤذي اليد فيُعتبر من النوع الرديء.
أنواع البارود
قسّم الصناع البارود إلى نوعين أساسيين:
المربوع: وهو المخصص للمدافع، حيث تُقسم الشورة إلى أربعة أقسام ويقابل كل قسم منها مقدار مماثل من الفحم.
المخموس: وهو المخصص للبنادق، حيث تُقسم الشورة إلى خمسة أقسام، ويقابل كل قسم منها فحم بالقدر نفسه.
حرفة ودلالة
لم تكن صناعة البارود مجرد مهنة عادية، بل كانت جزءاً من منظومة حياة ارتبطت بالحرب والسلم، وبحماية القرى والمدن في مواجهة الأخطار. وهي شاهد على ingenuity الإنسان العُماني وقدرته على تسخير الطبيعة لصالحه، بما يضمن له الأمن والدفاع في زمن السيوف والمدافع.



