
في صباحٍ بدا هادئًا رغم ما امتلأ به من مشاعر، كنت أرافق والدي، في طريقنا لأداء واجب عزاء في قرية مغيوث، إحدى قرى ولاية إزكي الهادئة. كانت الشمس تميل عن كبد السماء، تبثّ ضوءها بلطف فوق الطرقات، والنسيم يمرّ بين أشجار النخيل المتناثرة، يُنعش القلب، ويوقظ ذكريات بعيدة.
أوقف والدي السيارة، ثم التفت إليّ بنظراتٍ فيها شيء من التأمل، وقال بصوته المألوف الذي يحمل في نبرته دفء السنين:
–ما زال في الوقت متّسع… دعنا نزُر قلعة العوامر، أودّ أن أُلقي التحية على أخي الآخر.
ابتسمت وأنا أعرف ما تعنيه كلمة أخي بالنسبة لوالدي، فهي لا تُطلق على أي أحد. انطلقت السيارة بنا، وكأنها تسير نحو الماضي، لا نحو القلعة.
عند وصولنا، أشار والدي إلى رجلٍ جليل المظهر، تبدو عليه ملامح الوقار، وقال لي:
– اذهب إليه، واسأله عن بيت الوالد خليفة.
اقتربت من الرجل وأبلغته بما قاله أبي، فردّ بحفاوة بالغة:
– تفضلوا أولًا إلى بيتي، ثم نذهب سويًا.
اعتذرت بلطف، موضحًا ضيق الوقت، فقال مشيرًا إلى أحد البيوت القريبة:
– ذاك هو بيت الوالد خليفة، ولكنّه مريض… قد لا يعرفكم.
طرقت الباب طرقًا خفيفًا، ففتحت لنا سيدة مسنّة تتكئ على عصا خشبية، تقوِّي بها ما أضعفته السنون. سألتها:
– هل الوالد خليفة في المنزل؟
أجابت بصوتٍ مبحوح:
– نعم، موجود… لكنه مريض لا يقوى على الحركة، وقد لا يتعرف عليكم. تفضلوا إلى الداخل.
دخلنا، وكان والدي بدوره يستند إلى عصاه، يُصارع خطواته كما لو كان يصعد جبالًا من الذكرى. اقترب من سرير الوالد خليفة، الذي بدأ كظلٍّ لإنسانٍ حملته السنون إلى حافة الإنهاك، وهمس ممازحًا:
– خليفة، هل يُعقل أنك شِبت مثلي؟
فضحكت الزوجة، وقالت دون تردد:
– لقد شِيب… وانتهى الأمر!
جلس والدي عند رأسه، بحنانٍ يُشبه لمسة ندى على زهرة ذابلة. وضع يده اليمنى على جبينه، وقرأ عليه آية الكرسي بخشوعٍ يليق بمقام الأخوة. ثم قال:
– أنا سهيل ، من أهل سِيماء… هل عرفتني؟
ردّ الوالد خليفة بنظرة زائغة وصوت باهت:
– لا… لا أذكرك.
تغيّرت ملامح والدي، وكرّر العبارة:
– ولا أنا أعرفك إذًا… لا أعرفك، لا أعرفك!
وكان في صوته شيء من الألم والدهشة، كما لو أنّ الزمان قد خانه في لحظة كان يُراهن فيها على ذاكرة الروح.
قال له والدي متألمًا:
– كيف نسيتني؟! أنا كنت رُزّة ومسمارًا في بيتك… كنا لا نفترق. نسيت البحرين؟ ونسيت الأيام الجميلة؟
ثم بدأ ينسج من خيوط الذاكرة قصصًا وأحاديث، كمَن يُوقظ قلبًا خدره النسيان.
وبين كلمة وأخرى، ارتعشت شفتا الوالد خليفة، ثم قال فجأة:
– آه… سهيل! أنت سهيل؟
أجابه أبي وهو يبتسم ابتسامة المُنتصر على النسيان:
– نعم، أنا هو.
فقال خليفة وقد انكسرت نبرته بين الحنين والحزن:
– ذكّرتني… بالمعروف والودّ، بالذي كان بيننا. لكنّ الزمان قاسٍ يا سهيل، يُغيرنا، يجعلنا ننسى وجوهًا أحببناها.
تنهد أبي وقال:
– ما الذي أوصلك إلى هذه الحال؟
فردّ خليفة بكلماتٍ كالسكاكين في صدر الأبوة: – ولدي… هو من قتلني.
ساد صمت ثقيل. التفتَ إليه والدي بدهشة، فيما أجهشت عيناه بدموعٍ ثقيلة، وقال:
– كان يعمل في العسكرية، لا يذهب إلى عمله حتى يأتي إليّ، يُقبّل يدي ورأسي، ويقول: (راضٍ عني يا أبي؟)، فأجيبه دومًا: (راضٍ يا ولدي).
وكان يعود من عمله على ذات الحال، لا ينسى أن يرضى قلب والده قبل أن يرتاح جسده.
وذات يوم، جاءني يقول: (ادعُ لي، فقد تم قبولي في دورة للترفيع إلى رتبة أعلى). دعوت له بحرارة من قلبي.
لكن لم تمر أيام، حتى رأيته يسقط على عتبة بيته… هرعت إليه، فوجدته لا يتحرك.
حملته بيديَّ هاتين، إلى المركز الصحي، ثم إلى المستشفى إزكي… لكن الأجل كان أسرع. قالوا لي: (قد تُوفي).
ثم انتحب بصوت مكسور:
– هو من قتلني يا سهيل… بموته قتلني.
اقترب منه والدي، ووضع كفّه على كتفه المرتجف، وقال بحنان:
– كفى يا خليفة… لا تجرّ على نفسك هذا الهمّ الثقيل. دع الحزن يرحل، لا تُرهق نفسك، ولا تُثقل على هذه الزوجة الطيبة، فهي مسنّة مثلك، تُعاني مثلك.
تحرّك الوالد خليفة بصعوبة، وجلس على سريره، وقال بروح العربي الأصيل:
– لا أترككم تخرجون هكذا… لا بد أن أرافقكم حتى الباب.
قُدّمت لنا القهوة والتمر، في ضيافةٍ صامتةٍ لكن دافئة. ثم ودّعناه، وخرجنا من عنده، وكلانا يحمل وجعًا دفينًا لماضٍ جميل، أفسده الزمن ونكأت جراحه الغربة والغياب.




