الثقافي

حينما يُظن أن توفير الحياة يكفي… التربية والروح

عصماء بنت محمد الكحالية

في زمن يتسارع فيه إيقاع الحياة، ويتزاحم فيه السعي وراء لقمة العيش مع طموحات لا تنتهي، يغفل كثير من الآباء والأمهات عن لبّ التربية وجوهرها الحقيقي. نراهم يعملون ليل نهار، يكدّون، يوفّرون لأبنائهم الملبس والمأكل، يضمنون لهم مقعدًا في مدرسة خاصة، وهاتفًا ذكيًا، وربما غرفة بديكور فاخر، ثم إذا ضلّ الابن الطريق، أو انحرفت البنت عن جادة الصواب، قالوا بكل حيرة:
“ما قصرنا معهم، أمّنا لهم كل شيء!”

ولكن، هل فعلًا أمّنا لهم “كل شيء”؟

التربية ليست فاتورة تُدفع، بل حضور يُعاش.

ما يجهله أو يتناساه بعض الآباء أن الأطفال لا ينشأون على الخبز وحده. النفس لا تشبع من المال، والعقل لا ينمو بالهدايا، والروح لا ترتوي من الأجهزة الذكية. الطفل بحاجة إلى من يسمعه، لا من يسمعه فقط. إلى من يحتضنه، لا من يُلقي عليه التوجيهات وقت الخطأ فقط.

الفراغ العاطفي أكبر خطر يهدد الأجيال اليوم.
فحين لا يجد الابن حنان الأب، ولا تجد البنت أمان الأم، يبحث كلٌّ منهما عن تلك المشاعر في الخارج، في أماكن قد تكون موحشة، مؤذية، تلبس قناع الحب والاهتمام.

فـعلى سبيل مثال :

> عاد “سالم” من المدرسة وهو يجرّ حقيبته خلفه، عينه فيها دمعة ما كملت طريقها. جلس على أريكته، فتحت الخادمة له وجبة الغداء، وانشغل والده في غرفة المكتب بمكالمة عمل مطوّلة. سألته أمه من بعيد: “أكلت؟”، فقال “ايه”. لم يسأله أحد: “كيف كان يومك؟ ليه ساكت؟ من زعّلك؟”
في اليوم التالي، بحث عن هذا السؤال في مكانٍ آخر.
وكان المكان خاطئًا.

فالتربية ليست مجرّد توفير مستلزمات الحياة اليومية، بل هي فن التواجد النفسي والمعنوي.
هي الجلوس مع الأبناء، محاورتهم، فهمهم، النزول إلى مستوى أعمارهم دون تكلّف. هي احتضان الأخطاء لا جلدها، ومرافقة الطريق لا مراقبته من بعيد.

من يسدّ جوع العاطفة؟
من يملأ كأس الأمان؟
من يعلّم الطفل معنى الرجولة من خلال القدوة؟
ومن يمنح البنت إحساسها بذاتها وثقتها بنفسها؟

إذا لم تكن أنت، كأب أو كأم، فمن؟

ليست التربية أن نقول: “وفرنا كل شيء”،
بل أن نقف في لحظة صدق ونقول: “هل كنا حاضرِين حين احتاجونا فعلًا؟”

فالزمن لا يعود، والقلوب لا تُرمم بسهولة بعد الانكسار. والمجتمع اليوم لا يرحم تربية مهملة، ولا فراغًا عاطفيًا يُترَك لينخر في أبنائنا بصمت.

فيا من ظننتم أن دوركم ينتهي عند الدفع الشهري للمدرسة أو شراء كل جديد، عودوا إلى بيوتكم لا كأجساد متعبة، بل كأرواح حاضرة.
اجلسوا، اسمعوا، ضمّوا، وكونوا السند قبل أن يحتاجه أبناؤكم في مكان آخر.
التربية مسؤولية قلب، لا محفظة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى