
بداية القصة كانت بالصدفة. أرسلت لي صديقة من المملكة العربية السعودية عبر البريد الإلكتروني صورة لمنحوتة، تعرف أن لدي شغفًا بفن النحت، وأرادت أن تشاركني هذا العمل اللافت. لم أكن أتوقع أن مجرد صورة يمكن أن تترك هذا الأثر الكبير في نفسي. كانت المنحوتة تحمل عنوان “حواء”، وهي عمل للنحات السعودي خالد العنقري، وقد أدهشتني منذ اللحظة الأولى.
لم يكن مصدر الدهشة في التفاصيل البصرية وحدها، بل في الحمولة الرمزية الكثيفة التي يحملها هذا العمل. المنحوتة مصنوعة من الرخام الطبيعي المحلي، وهو اختيار لا يخلو من دلالة، إذ يربط المادة بالمكان والهوية. تظهر “حواء” كهيئة أنثوية مهيبة، تلتف برداء حجري يبدو وكأنه يتنفس، ينساب بصمت، وتتشكل في طيّاته أسرار دفينة، كما لو كان الفنان يحاول أن يقول: الجمال الحقيقي لا يكمن فيما يُرى، بل فيما يُخفي.
مع التعمق في العمل، بدأت تتضح لي ملامح الرؤية التي ينطلق منها خالد العنقري. فدائرته الفكرية تتجلى بوضوح في الحياة والجمال والرشاقة. هذه المفاهيم ليست شعارات، بل مكونات أساسية في بنية العمل الفني. فالرخام، على صلابته، يبدو في منحوتة “حواء” رشيقًا، طريًا، ومتحركًا، وكأن العنقري استطاع أن يحرّر الكتلة من ثقلها، ويمنحها روحًا خاصة.
الرداء في المنحوتة لا يؤدي وظيفة الغطاء فقط، بل يرمز إلى الستر، والغموض، والطابع المقدس. فالتجويفات والانحناءات في الرداء توحي بأن هناك ما هو أعمق من الشكل الخارجي – هناك جوهر داخلي يُلمح إليه ولا يُكشف تمامًا. هذا الرداء يمثل عند العنقري أكثر من مجرد قطعة ملبسية، بل هو عنصر تعبيري يجمع بين الحماية والكشف، بين الحضور والغياب.
ولهذا السبب، اختار الفنان الشكل غير المباشر، وابتعد عن التمثيل الجسدي الواضح، ليمنح “حواء” أبعادًا رمزية. فهي ليست تمثالًا لأنثى فحسب، بل تمثل الأنوثة كقيمة إنسانية وروحية، تتداخل فيها التناقضات: الرقة والقوة، الغواية والستر، البساطة والعمق. المنحوتة هنا تؤكد ما يُشار إليه مجازًا بـ”الضلع الجميل واللطيف”، لا باعتباره رمزًا للنقص، بل باعتباره تعبيرًا عن المرونة والاحتواء والقدرة على الخلق.
ومن أبرز ما يميز هذا العمل أنه يمكن مشاهدته من زاويتين بصريتين مختلفتين – من الأمام والخلف. عند النظر من الأمام، نرى امرأة شامخة مغطاة برداء يوحي بالهدوء والسكينة، أما من الخلف، فإن الرداء نفسه يتشكل بطريقة مختلفة، تنفتح على تفاصيل وتعرجات تشبه طبقات الزمن أو مشاهد من قصة لا تُقال مباشرة. هذه الازدواجية في الرؤية تمنح العمل بعدًا حركيًا وتأويليًا، وتجعل المشاهد في حالة تفاعل دائم، يبحث عن المعنى في كل زاوية.
هذا التوازن بين الجهتين ليس مجرد تفاصيل نحتية، بل يحمل رمزية واضحة. فـ”حواء” هنا يمكن فهمها ككائن يعيش في مساحة بين النور والظل، بين المرئي وغير المرئي. من الأمام، تقف بثبات، ومن الخلف، تترك مساحة للتأويل، وكأن النحات يفتح لنا نافذة للتفكر في الوجوه المتعددة للأنثى، وللإنسان عمومًا.
“حواء” في هذا السياق ليست مجرد بداية لوجود بشري، بل صورة رمزية للأصل، للمرأة بوصفها حافظةً للسرّ، ومصدرًا للحياة، وكائنًا يحمل في صمته رسالة. إنها لا تشرح نفسها، ولا تتحدث بصوت مرتفع، لكنها تفرض حضورها بهدوء، وتدعونا للتأمل في فكرة الخلق من جديد.
بهذا العمل، يضيف خالد العنقري منحوتة تخرج من حدود الشكل، وتدخل في مجال الفكرة والتأمل الفلسفي. عمل لا يُشاهد فقط، بل يُقرأ، ويُشعر، ويثير في المتلقي أسئلة عن المعنى، وعن الإنسان، وعن الجمال الذي يسكن داخل الأشياء – لا فوقها



