مقالات

حكاية الوفاء الذي لا يشيخ

صالح بن سعيد الحمداني

في زمنٍ تتسارع فيه الخطى وتتبدّل فيه القيم تحت ضغط الحياة الحديثة، تبقى العادات والتقاليد والسُّلوم العُمانية أشبه برسالةٍ حضاريةٍ خالدة، وتراثٍ غير مرئي، لا تُدركه الأبصار بقدر ما تسكنه القلوب، هي ميراثٌ تناقلناه أبًا عن جد وحملناه في السلوك قبل القول، وفي الفعل قبل الشعار، من أسلافٍ أدركوا أن الأخلاق هي أعمدة الأوطان، وأن المحبة هي الحصن الأول لأي مجتمع حيّ، لقد عُرف الشعب العُماني عبر التاريخ، بطيبته الصادقة، وبمحبته الخالصة، وبإخلاصه لبعضه البعض، وبروح التعاون والألفة والسؤدد، صفاتٌ جميلة لم تكن يومًا شعارات تُرفع، فهي في أصلها ممارسةً يوميةً تتجلى في المجالس وفي الأفراح والأتراح، وفي الجوار، وفي العمل، وحتى في الصمت وكما قيل في الحكمة العربية “القلوبُ إذا صَفَت تلاقَت، وإن تباعدت الأجساد”.

ومن أبهى صور هذه القيم ما نشهده اليوم في واقعنا الاجتماعي الملموس، من تجمّعاتٍ أخويةٍ راقية أخذت تنتشر يومًا بعد يوم لمجموعاتٍ من الرجال الذين تقاعدوا من أعمالهم بعد سنواتٍ طويلة من العطاء، رجال جمعتهم الوظيفة يومًا لكن الذي أبقاهم معًا بعد التقاعد لم يكن مجرد ذكرى عمل ورحلة حياة عابرة ولكنها المحبة الصادقة صاغتها الأيام وألفة حقيقية بلورتها الأعوام، لقد كانوا وهم على رأس عملهم يؤدون واجبهم الوطني بإخلاص، يحملون رسالة واحدة “حب عُمان… حب أرضها وسمائها، حب سلطانها، حب شعبها”، كانوا مثالًا في الانضباط، ونموذجًا في التفاني، وسندًا لبعضهم في أوقات الشدة قبل الرخاء.

ومع مرور الزمن تحولت تلك اللحظات العملية إلى حكايات إنسانية، وإلى ذكريات دافئة بقيت حية في الوجدان، كأنها “رسول القلب” الذي لا يشيخ، واليوم وبعد أن وضعت تلك المسيرة المهنية أوزارها، لم تنقطع الخيوط ولم تُنسى الحكايات والقصص التي نسجتها الذكريات بل ازدادت متانة، فكان الاتفاق الجميل “يوم واحد في كل عام يوم يلتقون فيه”، بصفة أخوية خالصة، لا بصفة وظيفية، يوم يتحول إلى عيدٍ صغير، تتبادل فيه الضحكات قبل السلام، وتُستعاد فيه الذكريات قبل الكلمات.

هذا يضحك وهو يروي موقفًا طريفًا، وذاك يستحضر قصةً جميلة من زمنٍ مضى، وثالث يبدأ حديثه بـ “كان يا ما كان… كنا”، فينساب الزمن إلى الوراء وتعود القلوب شابة وإن شابت الملامح، دقائق سعيدة ولحظات صافية، تمضي بهم في يومٍ جميل، كأنها تقول “إن المحبة لا تتقاعد”، وكما قال الشاعر العربي الكبير المتنبي

وما الخَيلُ إلا كالصديقِ قليلةٌ

وإن كَثُرَت في عينِ مَن لا يُجَرِّبُ

إن هذه التجمعات وإن بدت بسيطة في ظاهرها إلا أنها تحمل معاني عظيمة؛ فهي دليل على رقي الأخلاق، وعلى تماسك النسيج الاجتماعي، وعلى أن العادات العُمانية الأصيلة لا تزال حيّة، تُبعث من جديد في صورٍ نبحث عنها ونفتخر بها، وهي أيضًا وفاءٌ لا يعرف النسيان، فحتى الزملاء الذين رحلوا إلى الدار الآخرة، لهم نصيبهم من الذكر والدعاءفي هذا التجمع تُذكر أسماؤهم بكل خير، ويُقال: “رحمه الله، كان كذا وكان كذا”، وكأنهم حاضرون بين الجمع بأخلاقهم وأثرهم، فهذا الوفاء والصفاء لذي لن يشيخ يومًا.

وفي تجربةٍ شخصيةٍ صادقة وأنا أكتب هذه السطور عائدًا من محافظة الداخلية بعد يومٍ جميل جمعني برفقاء الدرب، ورفقاء العمر، أولئك الذين قضينا معهم سنوات الشباب، وسنوات العطاء، وسنوات المحبة والألفة، أدركت معنى الأخوّة الحقيقية، كنا لبعضنا سندًا وظهرًا وفخرًا، كلٌّ يعتز بالآخر، وكلٌّ يفتخر أن له إخوة أعزاء في هذه الصورة المشرقة، لقد جاءوا من كل حدبٍ وصوب من سهل عُمان وجبلها، من ساحلها وصحرائها، من قراها وولاياتها، من محافظاتها المترامية، قاطعين المسافات تاركين كل عمل او إرتباط، جمعهم الحب ووحّدتهم الألفة، ولم يمنع الغياب إلا تلك الظروف القاهرة؛ صحية كانت أو اجتماعية، أما القلوب فكانت حاضرة بالجميع، وهنا يصدق قول الإمام الشافعي رحمه الله

سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها

صديقٌ صدوقٌ صادقُ الوعدِ مُنصفا

فهنيئًا لنا هذه المحبة، وهنيئًا لعُمان بهذا العطاء الإنساني المتجدد، عطاءٌ يتجدد كل عام ويبعث في داخلنا أمل الغد القادم، بإذن الله تعالى ونحن ننتظر لقاءنا المقبل بشوقٍ ولهفةٍ وسعادة، حفظ الله عُمان أرضًا وسماءً، شعبًا وسلطانًا، وحفظ الله كل أخٍ عزيز على هذه الأرض الطيبة وجعل المحبة والألفة عنوانًا دائمًا في قلوبنا، كما كانت وكما ستكون، ما بقي فينا نبضٌ وحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى