الثقافي

حقيبة صغيرة وحياة رائعة

عيده المعمري

كان الصباح مختلفًا في زمننا الجميل. مع أول خيط من الفجر، يوقظنا صوت أبي –رحمه الله– للصلاة، فكانت الصلاة هي اول دروس ابي وهي بدايه ليومنا وبعدها نجتمع حول أمي، تلك الأم الحنونة التي تعد لنا إفطارًا بسيطًا لكنه مليء بالحب: خبز وشاي، أو قروص ذلك الخبز الدائري الطري الذي كان له طعم خاص، وفي زمننا الحالي يُعرف باسم بان كيك. كانت امي كالعاده تضع لي خبزة وجبنة مثلثات مع  القروص، ثم تنادينا بكلمتها المحببة: “يالله بهاو”، وهي كلمة قديمة في لهجتنا العُمانية معناها أن الصباح قد شق نوره، أو كما نقول اليوم: هيا انهضوا طلعت الشمس

نرتدي حقائبنا المتشابهة تقريبًا في الشكل والحجم، لم يكن هناك ماركات أو تصاميم لافتة، لكنها كانت رفيقتنا الموثوقة، نحمل فيها دفاترنا المقسومة للفصل الأول والثاني، أقلامًا قصيرة من كثرة البري، وممحاة سحرية نصفها للرصاص ونصفها للحبر، ومعها كراسة رسم الاكنا ننقل من صديقتنا الرسامه ،

شمس كما الغيمة وطيور على شكل سبعة وجبال ونهر تتوسطه نخلة صغيرة مرسومة ببراءة. وأن تكون مائلة مثل نخلة بيتنا ،

نسير في طريق المدرسة، يصفعنا برد الصباح القارس فنضحك من صوت طرق أسناننا. وعلى جانب الطريق يفتح دكان الحارة أبوابه منذ الفجر، رائحته تختلط برائحة الخبز والقهوة، وهو محطتنا الصغيرة قبل ركوب الحافلة، نشتري منه ما تيسر بمصروف أبي الذي لم يتجاوز مئة بيسة، لكنها كانت تكفينا وتسعدنا.

أمي تلوّح لنا مودعة، وكم من مرة سهرت الليل لترقع جواربي الممزقة من عند الإبهام لتفاجئني بها صباحًا كأنها جديدة. نلتقي بالأصدقاء في منتصف الطريق، نتبادل الضحكات والكلام الطفولي البريء، ثم ننتظر الحافلة المزحومه بالطلاب، لكننا كنا نراها واسعة كأنها عالم كامل.

وصوت القرآن يتردد من بعيد كلما اقتربنا من المدرسة… مدرسة مبنية من سعف النخيل، يدخلها الهواء من كل زاوية، سبورة وطباشير، ومعلمة بعصاها المشهرة دائماً، لكنها رغم بساطتها صنعت فينا ذكريات أعمق من أن تنسى.

كان صباحًا يبدأ بالصلاة ويمر بالدكان وينتهي بابتسامة على أعتاب المدرسة، بين حقيبة صغيرة وحياة بسيطة، لكنها مليئة بالحب والرضا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى