
في عمق الجبال العُمانية، بعيدًا عن صخب المدن وتسارع الوقت، تستريح قرية حيل الغاف، درّة من درر ولاية قريات بمحافظة مسقط.
قريةٌ وادعة، تُحيط بها الجبال من ثلاث جهات: الشرقية، والغربية، والجنوبية، كأنها أكفُّ الطبيعة تحتضنها بخشوع، وتُخبئ في ترابها ذاكرة الصمت والضوء.
في هذا الحيّز الصغير من الجغرافيا، يتكثّف المعنى، وتتحدّث الأرض بلغتها الخاصة. فكما يُقال: في عُمان، لا تُمنح الأسماء عبثًا، بل تُستخرج من تضاريس المكان وروحه.
وقد جاء اسم “حيل الغاف” من شقين؛ “الحيل”، وهو الماء الراكد الذي يتبقى في بطون الأودية بعد جريانها، والغاف، شجرة صامدة تحمل فروعًا كثيرة، أوراقها كريش الطائر، تمنح الظل وتحفظ ذاكرة الأرض. وسُمّيت القرية بهذا الاسم لكثرة هذه الأشجار فيها قديمًا، حين كانت تملأ الوادي، وتبارك تربته بجذورها العتيقة.
وحين يحلّ الصيف، لا يُقاس في حيل الغاف بدرجات الحرارة، بل بخُضرة تنبض من أغصان المانجو، التي لا تُثمر فحسب، بل تُقيم مهرجانًا صامتًا للكرم والجمال.
فأشجار المانجو هنا ليست كغيرها… هي معمّرة، يتجاوز عمر بعضها مئتي عام، جذوعها سميكة، وأغصانها كالأذرع الحانية، تمنح الظل والثمار بسخاء لا يُصدّق.
والمعجزة الخفيّة، أن بعض هذه الأشجار تنتج أكثر من 14,000 ثمرة في موسمٍ واحد، وكأنها تُخاطب الزمان قائلة: “أنا لا أهرم… بل أُزهر بالكرم، كلما مرّ الزمان.”
حين يُزهر الصيف، تتحوّل حيل الغاف إلى لوحة حيّة؛ تتنفّس الرائحة الطرية من الممرات الترابية، وتبتسم البيوت لسلالٍ قشّية امتلأت بثمرات ناضجة، تنقل معها رائحة الجِبال والضوء.
ويظهر الأمبا الأخضر أولًا، بطعمه الحامض ورائحته النفّاذة، فتتسابق العائلات لقطفه، وإعداده، وتخزينه، وكأنها تحفظ الصيف في قلوبٍ صغيرة على هيئة شرائح.
وفي هذه القرية الصغيرة، لكل ثمرة اسم، ولكل اسم حكاية. أسماء تُشبه القصائد وتسكن الألسنة والأمبا منه مسميات كثيرة ومنها : الخوخ، الزنجباري، الباب، الحلقوم، الحراء، الوغلة، الدبوس، الكافور، الفلفل، الخيول، وهلال…ويقدر عمر أشجار مانجو حيل الغاف أكثر من 200 عام بسبب التربة الرطبة وتعد من أشجار مستديمة الخضرة قوية النمو.
هي أكثر من مجرد أصناف… إنها شخصيات نكهة، تختلف بالطعم واللون والرائحة، وتُمنح أسماؤها بذكاء الذوق الشعبي، وانطباع الجدّات، ولمسة الحنين.
وحين تنضج الثمار، تبدأ طقوس جنيها، المعروفة محليًا بـ”حدّال الأمبا”. يصعد الشبان بخفة الأرواح، تتمايل الأغصان، وتُقطف الثمار بضحكة، لا بسكين.
ثم تُجمع في السلال، وتُحمل إلى البيوت كما تُحمل البشائر. كل سلةٍ تنزل، تنزل معها بهجة الصيف ومخزونًا جديدًا من البركة.
ولا يمكن لثمار الأمبا أن تعبر الصيف دون أن تمرّ على مطبخ الأم أو الجدّة. تُقطّع، وتُبهّر، وتُخلط، ثم تُرصّ في جرارٍ طينية فخارية، تشرب من شمس الحيل، وتحتفظ بالنكهة.
فالأجار ليس مجرد وصفة، بل هو ذاكرةٌ مالحةٌ لاذعة، تحفظ المذاق وملامح الجدّات، وتعيدك إلى طفولتك بملعقة. وفي أواخر الموسم، يُجفف جزء من الثمار، ويُعدّ ما يُعرف بـ” الأمبا النشف”. تُقطّع الثمرة، وتُفرش تحت الشمس، وتُقلّب بين حين وآخر حتى تجف وتخزّن طعمها في قلب الوقت.
يُؤكل الأمبا النشف مع الشاي، أو يُضاف للأطباق التقليدية… وفي كل شريحة، هناك أشعة شمس، وصبر أمّ، وحكاية قروية لم تُكتب لكنها تُؤكل.
هكذا تمضي أيام الصيف في حيل الغاف… لا بالملل، بل بالمذاق، ولا بالضجيج، بل بالحياة التي تمشي على مهل. قريةٌ بسيطة، لكنها تُتقن الاحتفال بالحياة على طريقتها… تُعلّمنا أن من يزرع الحبّ، يحصد البركة، وأن ثمرة واحدة ناضجة، قد تروي حكاية قرن.
فمن أراد أن يعرف معنى “المذاق الذي لا يُنسى”، فليزر حيل الغاف، في موسم الأمبا الأخضر… وليدع قلبه يتذوّق قبل لسانه.



