
آراها دائما تركض خلف أوراقٌ العمل، تسابق الساعات لتنجز الأهداف ، مكتبها جميل، لونه أزرق ، أوراقٌ ملونةٌ مكتوب فيها أهداف منظمة، كل هدفٍ تُنْجِزُهُ تقطعُ ورقة، وكأنّها تُخبر نفسها بصمتٍ عن تقدمٍ جديدٍ ، وجهدٍ مثمرٍ..
إنها زميلتي مريم، تلك المعلمة الجميلة التي ينقص جمالها ابتسامةً اختفت ملامحها وسط دوامة العمل، ولونها أصبح باهتاً تَبعْثر بين تعب العمل وبين انتظار إجازة نهاية الأسبوع وهي الأمل الصامت بالراحةِ والسكينة بعد تعب العمل وصَخْبه..
وفي إحدى الصباحات الباردة وَقَفْتُ في ساحة الطابور ، كالعادة أشاهد الأطفال واحتضنُ ابتسامتهم، وأراقبُ خطواتهم الصغيرة، وأتابعهم باهتمام وعلى وجهي ابتسامةٌ دافئة، وفي يدي كيسٌ من البندقِ الذي جمع طعمه بين خفّة حلاوته، ودفءِ نكهته، وفي قلبي حنينٌ دافئ لطفلةٍ لم تكبُر، وبراءة لا تنتهي، وابتسامة بسيطة علمتني كيف أعود للحياة بقلبِ طفلٍ مثل هؤلاء الأطفال..
ومع هذه المشاعر الدافئة، أحْسَسْتُ بيدٍ باردةٍ على كتفي، ثقيلة بعض الشيء، إلتَفَتْتُ لأرى وجهًا يحمل ملامحًا من التعب والإرهاق، إنها زميلتي مريم التي بادرتني سائلةً ما سر الاحتفاظ بهذه الابتسامة الدائمة رغم ضجيج العالم وصخبه؟
فزدتُ ابتسامتي ابتسامًا أكثر، لأخرجَ من الكيسِ حفنة كبيرة من حبات البندق الصغيرة، فأضعها في كف مريم قائلة : السعادة ليس فيما نملكه في أيدينا، وإنما هيَ الامتنان لكل لحظة جميلة نعيشها في يومنا، وكل برهة نصنع فيها لفتة مشرقة، وسعادة مبهجة، لينتهي يومنا بكاملِ اداركنا بأننا أسعد الناس بكل النعم التي تحيطنا..
سكتتُ برهةً لأكمل حديثي قائلةً : تناولي حبة بندقٍ كلما أحسست أنك ممتنة لأي نعمة أو شعور جميل تعيشيه في يومك، ولا تترددي في طلبي المزيد من البندق إن احتجتي فيوجد معي الكثير منه، فودعتها وما زالت ابتسامتي على وجهي.
وفي المساء البارد وأنا أتأمل السماء، وإذا بضوءٍ لامعٍ على جدار بيتي الصغير، هناك تسارعتْ نظراتي نحو باب السيارة الذي نزلت منه مريم وتعلو وجهها ابتسامة جميلة كجمال ذلك المساء البارد، فتسارعت خطواتها حين رأتني واقفة في باحة بيتي الأبيض لتحضنني قائلةً : سأحتاج إلى الكثير من أكياس البندق اللذيذ، – لم تكمل الحديث إلا وتبادلنا الضحكات معا-..
نحن لا نحتاج إلى الكثير من أكياس البندق اللذيذ، ولكن نحتاج تنظيفًا عميقًا لعدسات عيوننا، لنستشعر النعم بدفء قلوبنا، ونشكر الله على القليل وإن لم نجد الكثير، فالامتنان صلاةً هادئةً صامتةً في محراب الرضا.. فأعمل على تطوير ذاتك بكل حبٍ لا بإرهاق، وبشغفٍ لا بألم..فالحياة لن تتغير من أجلنا ولكن عندما نغير ما يسكن داخلنا ستبدو الحياة أجمل بكثير..



