الثقافي

جوهرة الذكريات

محمد بن حمود بن شيخان الكلباني

كنا ثلاثة تلاميذ غرباء، قادمين من أرض وِلادتنا في أفريقيا، دَخِلين على باقي التلاميذ، فكان الجميع يتودد إلينا ويعلموننا كيفية لعبهم، والكل يتسابق لِيُترجم لنا بالإشارة؛ لكوننا لا نتقن اللغة العربية، وهم لا يتكلمون اللغة السواحلية.

زملائي الاثنان سعيد ومحمد، صُدفة جمع القَدَر بيننا دون تعارف مسبق في أرض الجزيرة الخضراء. هنا نزلنا في قرية حيل الغافة، موطن آبائنا. دخلناها غرباء لا نعرف يَميننا من شِمالنا. كل الناس تنظر إلينا بعيون الريبة والترحيب المشترك مع الاستغراب.

دخلنا المدرسة، وكان سِنِّي يقل عن عُمريهما بين السنة وأقلها والأكثر، ومجمل أعمارنا بين السابعة وست سنين. تكونت الصداقة إلى الأقرب من التآخي والأكثر، حتى وصلت بنا درجة التنافس في الدراسة بطريقة غير مباشرة. نتيجة ذلك، سبقاني في ختم المصحف بشهر، أول الأقل من الشهر.

تعلمنا الصلاة معا، حين كتب لنا معلمنا في الألواح “التوجيه الإبراهيمي”، مطلع كلماته: “سبحانك اللهم وبحمدك”، ثم كيفية الصلاة في الركوع والسجود.

تنافسي مع الزميلين كان من أكبر الدوافع إلى التفوق على الآخرين. كنت أستبق وصول وقت التلاميذ إلى المدرسة، وبعد الطلقة والخروج من المدرسة، أتوجه إلى المنزل ولساني يردد الهِجْوَة وسورة ذلك اليوم.

فرحة من أب زملائي، كلّف ابناءه بقراءة الختمة فوق قبر جدهم الأكبر وكان الجو لا يخلو من شدة الحرارة، مما اضطرهم إلى تركيب عريش بجوار القبر كمظلة تقيهم حرارة الشمس، مدة قراءة الختمة ومدتها بين الخمسة والسبعة أيام. كالمعتاد في ذلك الزمان، قراءة القرآن على القبور من المعتقدات السائدة آنذاك، خاصة في العشر الأوائل من شهر ذي الحجة.

بذلك، أخذت دوري فور تكملي قراءة كامل المصحف في المدرسة. كلّفني جدي بالقراءة على أموات العائلة، خاصة الواصي بهذا الأمر وهو أخ جدي – رحمه الله -. تكفلت بالقيام بتلك القراءة في المسجد، وكأني معتكف لمدة ثلاثة أو أربعة أيام، لا أخرج من المسجد إلا للضرورة. كانت الأيام جميلة، والأعمال كانت الأجمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى