جنوب الباطنة تستحضر أمجاد علمائها المدرجين في قائمة «اليونسكو» عبر مبادرة «إرث».
الرستاق: التكوين

في إطار الجهود الإعلامية الهادفة إلى توثيق الهوية الثقافية والتاريخية لمحافظة جنوب الباطنة، يقدّم قسم الإعلام بدائرة التواصل والإعلام بمكتب محافظ جنوب الباطنة مبادرة «إرث» بوصفها نافذة معرفية تُسلّط الضوء على أعلام المحافظة عبر مختلف العصور، من أئمة وسلاطين وعلماء وشخصيات مؤثرة أسهمت في تشكيل المشهد الحضاري والفكري لعُمان. وتسعى المبادرة إلى إبراز العمق التاريخي والثقافي لمحافظة جنوب الباطنة من خلال استعراض الآثار والشواهد التاريخية التي تجسّد هذا الإرث المتجذّر، بما يفتح آفاقاً أوسع أمام الباحثين والمهتمين بالتاريخ، ويعزّز وعي القرّاء بالقيمة الحضارية للمحافظة، إضافة إلى تعريف المستثمرين بما تزخر به من مقومات تاريخية وثقافية واعدة، كما تأتي مبادرة «إرث» كترسيخ لدور الإعلام في حفظ الذاكرة الوطنية وتعزيز الانتماء الثقافي.
وتزخر محافظة جنوب الباطنة بسجلٍ حضاري وعلمي حافل، أسهم في تشكيل الوعي الثقافي والمعرفي العربي والإسلامي عبر قرون متعاقبة، وقد أنجبت المحافظة كوكبةً من الأعلام الذين تركوا بصماتٍ راسخة في ميادين اللغة والطب والتاريخ والفكر والإصلاح، وحظيت مؤلفاتهم ومكانتهم العلمية باهتمام المؤسسات الأكاديمية والثقافية، ومنها برامج ومشروعات التوثيق المعرفي العالمية. ويأتي في مقدمة هؤلاء الأعلام الخليل بن أحمد الفراهيدي (الودامي) من ولاية المصنعة في القرن الثامن الميلادي، الذي يُعد أحد أعمدة الحضارة العربية والإسلامية وإمامًا من أئمة اللغة العربية، إذ أسهم إسهامًا جوهريًا في تقعيد علم النحو، وكان المؤسس الأول لعلم العَروض الذي به ضُبطت أوزان الشعر العربي، كما يُعد رائدًا في التأليف المعجمي بوضعه أول معجم صوتي في العربية وهو كتاب العين، الذي شكّل نقلة نوعية في دراسة اللغة العربية ومنهجية ترتيب مفرداتها، إلى جانب مؤلفاته الأخرى مثل كتاب الجمل في النحو الذي ظل مرجعًا لطلاب العلم قرونًا طويلة.
وفي المجال الطبي، برز راشد بن عميرة الهاشمي (العيني)المعروف بابن عميرة من ولاية الرستاق خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، كأحد أعلام الطب والصيدلة في عُمان خلال العصر الحديث المبكر، حيث أسهم في تعليم الطب وصناعة الأدوية، واعتمدت مؤلفاته كمراجع علمية في مجال المعالجة والتداوي، ومن أشهر كتبه فاكهة ابن السبيل ومنهاج المتعلمين اللذان تناولا أسس الطب العملي والأدوية المفردة والمركبة، ما جعله من أبرز الأسماء الطبية في تاريخ عُمان العلمي.
كما يمثّل عبد الله بن حميد السالمي من ولاية الرستاق في القرن التاسع عشر الميلادي، والمُلقب بـ«نور الدين»، قامةً فكرية وإصلاحية بارزة في التاريخ العُماني الحديث، فقد كان عالم دين، ومحققًا، وشاعرًا، ومؤرخًا، وأسهم في إرساء نهضة علمية وفكرية شاملة، داعيًا إلى الإصلاح، ونشر العلم، وترسيخ قيم العدالة والمعرفة، ومن أبرز مؤلفاته تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان الذي يُعد من أهم المراجع التاريخية العُمانية، وتلقين الصبيان في التعليم والتربية.
وفي السياق التاريخي، يُعد حميد بن محمد بن رزيق من ولاية نخل في القرن التاسع عشر الميلادي أحد أهم المؤرخين العُمانيين، إذ وثّق تاريخ عُمان خلال فترة حكم الدولة البوسعيدية حتى عام 1856م، وسجل بدقة نشاط القوى الأوروبية في المنطقة وعلاقاتها السياسية والاقتصادية، ومن أشهر مؤلفاته سراج المسترشد الهادي إلى مناقب الإمام الممجد ناصر بن مرشد، والفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، وهما من المصادر الأساسية.




