مقالات

جسر الخلود بين الأمس والغد

صالح بن سعيد الحمداني

بعد نشر مقالي “الكتابة… ذاكرة الإنسان التي لا تنطفئ” تواصل معي البعض، وعلّق آخرون يسألون عن سر هذا المقال وما أشعر به حقًا حين أكتب، فأنا ما زلت أؤمن، وسيبقى إيماني راسخًا، بأن الكتابة سرٌّ من أسرار الذات، ونورٌ يضيء الفكر الباحث والمتأمل، ومن دون أي تمهيد، وُلد هذا المقال ليعبّر عمّا يختلج في داخلي حول ماهية الكتابة وسحرها الذي يصل بيني وبين الأمس ذلك الماضي الذي شكّل جزءًا من حياتي، وبين حاضري الذي أعيشه، ومستقبلي الذي أطمح إليه، وعلى الرغم من تعاملي العميق مع الحداثة وشاشاتها الزرقاء، علمًا ومعرفةً، إلا أن قلبي ما زال يميل إلى بعض الطرق القديمة التي أحببتها حبًا صادقًا لا يغيب.

ففي عالمٍ يتسارع نبضه نحو التقنية والحداثة التي كلنا فيها، حيث تُختزل الفكرة في ومضة، ويُختصر الشعور في بضع حروف على شاشة زرقاء، يبقى للكتابة ـ تلك القديمة قدم الوعي الإنساني ـ سحرها الأبدي، ووهجها الذي لا ينطفئ، إنها صدى الإنسان في صراعه مع الفناء، وصوته الذي يصرّ على البقاء بعد أن يصمت الجسد وهي ليست حروفًا على ورق، وليست مجرّد وسيلة لتوثيق الأحداث أو نقل المعلومات ولكن نجدها طقس مقدّس من طقوس الوجود، كل كلمة تُكتب بصدق تمثل حجر جديد في بناء الذاكرة البشرية، ولعل أعظم ما ميّز الإنسان عن سائر المخلوقات هو قدرته على تدوين أفكاره، على أن يخرج من حدود اللحظة إلى رحابة الديمومة، فبفضل الكتابة ما زلنا نسمع همسات الفلاسفة، ونقرأ حِكم الشعراء الذين غابوا منذ قرون، ونستضيء بما خطّه العلماء حين كانت المعرفة تُكتب على الورق الأصفر تحت ضوءٍ خافت.

إنّ كل كتاب في جوهره ليس مجرد تجميعٍ للكلمات، إنما حياةٌ مضغوطة داخل غلاف، فالكاتب حين يخطّ حروفه ويسكب ذاته في نصٍ يحمله إلى الغد فينقل أفكاره وآلامه وأحلامه إلى أجيالٍ لم يرَها ولن يراها، يرى فيها أي الكتابة المعنى الذي يراه شكل من أشكال الخلود، فهي تُمكّن الإنسان من أن يعيش خارج جسده وأن يتجاوز زمنه إلى أزمنةٍ أخرى ويعلم يقينًا لا شك فيه بأن الكتابة ليست ترفًا فكريًا كما يتوهم البعض وإنما هي مسؤولية أخلاقية وروحية عميقة، والكاتب الحقيقي لا يكتب ليُرضي جمهورًا أو يطلب مجدًا، لأنه يشعر بأن في صدره نارًا لا تهدأ إلا حين تتحوّل إلى كلمات، ويكتب ليُشفى من صمته وليحرّر الآخرين من صمتهم.

في عصرٍ تكثر فيه الأصوات وتتناقص المعاني وتبدو العودة إلى جوهر الكلمة واجبًا إنسانيًا نجد الكلمة حين تُكتب بصدق تُصبح أكثر من أداة تواصل؛ تُصبح فعل مقاومة ضد النسيان، وضد الزيف، وضد التهميش، وإنّ الحروف قادرة على أن تُسقط سلطانًا أو تُحيي أمة أو تفتح باب أملٍ في قلبٍ أنهكه الظلام، لكن ما الذي يجعل الكتابة اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى؟ ربما لأننا في زمنٍ تراجعت فيه قيمة التأمل وارتفع فيه صخب الاستهلاك، صرنا نقرأ بسرعة وننسى بسرعة أكبر ونكتب كثيرًا لكن دون أن نقول شيئًا حقيقيًا، لهذا فإنّ العودة إلى المعنى الأصيل للكتابة إلى لحظة التأمل قبل أن تلامس اليد الورق، تُعد نوعًا من التمرّد الجميل على روح العصر.

في الماضي كان الكاتب يجلس أمام قنديلٍ صغير، يكتب ببطءٍ وتأمل، يستحضر أفكاره كما يستحضر كل أحلامه الجميلة وآماله وطموحاته، فلم تكن الكلمات لديه ترفًا فهو يرى فيها كيانًا حيًا يولد بألمٍ وصدق، واليوم ومع كل سهولة النشر وسرعة الانتشار وأصبح الخطر الأكبر أن تفقد الكلمة وزنها وقدسيتها وظهور وسائل عديدة ونماذج مختلفة وعوامل تهدد تلك المصداقية والحروف الجوهرية هنا لا بد من أن نقف وقفة تأمل وأن نسعى كي نعيد للكتابة روحها الأولى وأن نجتهد بحثًا عن الحقيقة لا عن الشهرة لأن في الكتابة أيضًا نجد حوارٌ بين الإنسان والزمن، فحين نمسك قاللم كأننا نمدّ بذاكرتنا إلى الماضي لنستلهم وإلى المستقبل لنبني فالكلمة التي تُكتب اليوم قد تُصبح غدًا شاهدًا على حضارة، أو وثيقةً تُعرّف هوية شعب، إنّ الأمم التي تعرف كيف تكتب تعرف كيف تبقى.

ولعل أجمل ما في الكتابة أنها تخلق جسورًا خفية بين الغرباء، فحين تقرأ كتابًا كُتب قبل مئات السنين وتشعر أن الكاتب يصف ما في قلبك تمامًا، تدرك أن الزمن لا يفصل البشر بقدر ما توحّدهم التجارب الإنسانية، إنّ الكتابة تجعلنا نكتشف أننا متشابهون في جوهرنا مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة، ويمكن القول إنّ الكتابة ليست حرفةً ولا هوايةً إنما هي نمط وجود، إنها فعل حبٍ تجاه الحياة ومحاولة لترك أثرٍ في هذا العالم المزدحم بالنسيان، كل كلمة تُكتب بصدق ومهما بدت بسيطة، تُحدث في الوجود فرقًا صغيرًا لكنه خالد، في زمنٍ تتبدّل فيه الوجوه والأفكار بسرعة الضوء، تبقى الكلمة الصادقة مثل شمعةٍ في عتمة طويلة تضيء الطريق لمن يأتي بعدنا، وتذكّرنا بأن الإنسان مهما تغيّر، سيظل يبحث عن طريقةٍ يقول بها للعالم “لقد كنتُ هنا، وفكّرتُ، وكتبتُ”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى