مجتمع التكوين

جسر الأثير بين “BBC” و”الجنينة”: وداعاً مرهون الهنائي

بركاء: التكوين

كانت الطريق الترابية المؤدية إلى قرية الجنينة بولاية بركاء تعرف، لسنوات طويلة، وجه رجل مميز يجمع بين صفتين نادرتين: الجار الوفي، والمثقف الموسوعي. هناك، في منزله البسيط الذي تحول مع الوقت إلى “محطة إخبارية” و”صالون ثقافي” مصغر، عاش الحاج مرهون بن سالم الهنائي (1952-2025)، قلبا نابضا لجيل واسع من عشاق الصحافة والإعلام، وعندما انتقل إلى قرية أخرى، كانت أولى أدواته التي رافقته طابعة البرذر وقصاصات الصحف ونسخ قديمة من هنا لندن والعربي وغيرها من الصحف والمجلات.

كان المذياع في بيت المرحوم قطب الرحى في مجلسه الدافئ. ففي قريته الجنينة، حيث سكن زمناً طويلاً، تحول منزله إلى وجهة دائمة لأصدقائه وجيرانه الشغوفين بالصحافة والأخبار. كانوا يتوافدون ليسألوه: “ماذا قالوا في ندوة المستمعين على البي بي سي البارحة؟”، أو “ما تحليلك للأزمة الدولية التي تناولتها الإذاعات؟”. كان مجلسه مدرسة شعبية حرة، حيث تتحول الأخبار العالمية الواردة عبر أثير “راديو لندن” وغيرها إلى نقاشات محلية عميقة، يشارك فيها الجار المزارع والمدرس والموظف، بفضل متابعته اليومية التي جسرت الهوة بين الحدث العالمي والوعي المحلي.

كان جاراً لكل أصدقائه الشغوفين، لا يبخل بما عنده. كانت مجلته اليومية تنتقل بين الأيدي، وكتب مراجعه الثقافية متاحة للجميع. بل إن شغفه انتقل إلى محيطه، فكان يشجع جيرانه على المشاركة في المسابقات الصحفية الرمضانية، ويعلنها “مشروعاً جماعياً” للحي، يجتمعون للبحث عن الإجابات في كتبه، محولاً هوايته الفردية إلى نشاط مجتمعي مشترك يوثق العلاقات ويملأ الوقت بالمفيد.

هذا التفاعل لم يكن باتجاه واحد. فكما أعطى ثقافته، تلقى هو الآخر دفئ الجيرة والألفة. كان الحي بمثابة عائلة موسعة له، عوضته في صباه عن فقد الوالدين، وظل طوال حياته مصدراً لفرحته وقبساً من السمت العماني الأصيل. كان نجاح أي جار في مسابقة إعلامية أو ظهور في برنامج إذاعي هو نجاح له، يفتخر به كما لو كان إنجازاً شخصياً.

برحيل هذا الرجل، لا يخسر اصدقاؤه جاراً فحسب، بل يخسرون “محررهم الشخصي” و”مذيعهم المحلي” الذي كان يترجم لهم العالم. يخسرون ذلك الصوت الهادئ الواثق الذي كان يملأ المجالس ثقافة ومعرفة. يخسرون ذاكرة الحي النابضة بالثقافة، والتي كانت تجسيداً حياً لدور المثقف العضوي المنغرس في تربة مجتمعه.

لقد كان مرهون الهنائي ظاهرة فريدة: عالمي الاستماع، محلي العطاء. كان يجلس في قريته الوادعة لكن عقله وقلبه كانا في متابعة يومية في لمستجدات الإعلام.

رحل “سفير الأثير”، و”صاحب المجلس”، ليترك فراغاً في أثير الإذاعات العالمية التي افتقدت صوته، وفي سبلته التي افتقدت حكمته وحنانه

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى