الفني

لافن بلا ضمير

فهد احمد الباكر، دولة قطر

في زمنٍ تزايدت فيه الضوضاء والفساد الأخلاقي على حساب القيم، وأصبح المسرح – لدى بعضهم – وسيلةً للتسلق والظهور، لا وسيلةً للتنوير والتغيير، بات من الضروري أن نعيد فتح ملف أخلاقيات الفنان المسرحي، بوصفها العمود الفقري لهذا الفن النبيل.

فالفنان المسرحي الحقيقي لا يصعد إلى الخشبة للبحث عن تصفيق أو شهرة أو منفعة شخصية، بل يحمل في فنه هماً إنسانياً وفكراً تغييرياً وفلسفة وجودية تترجمها أفعاله قبل أقواله. وما يصنع الفرق بين الفنان الذي يحدث أثراً، والذي يحدث ضجيجاً، هو الأخلاق.

وللأسف، فقد شهدنا في الآونة الأخيرة اختلالاً واضحاً في منظومة القيم المسرحية، تجلّى في بعض الممارسات التي لا تمت للفن بصلة: من توظيف المسرح لأغراض شخصية، إلى التسلق المهني، بل وحتى ممارسة الضغط والابتزاز في الكواليس من قِبل البعض. وكل ذلك ينذر بخطر قادم.

الفن لا يُقاس بعدد العروض ولا بالأضواء، بل بالصدق والتأثير، وبما يتركه من أثر في الناس. وإذا كان الإنسان البدائي قد أعاد تمثيل مشهد صيد الفريسة أمام قبيلته ليعلّم وينقل الشجاعة والمعرفة، فكيف بمن يدّعي الفن اليوم ويتنكّر لرسالته وقيمه في أول مفترق منفعة؟!

إن أخلاقيات الفنان ليست زينة ولا ديكوراً ولا بنداً اختيارياً، بل هي روح الفن ذاته، وأساس الاحترام المجتمعي الذي يناله الفنان. ومن هنا، لابد من التذكير بالمبادئ التي يجب أن يتحلّى بها كل فنان مسرحي:

أن يقول ما يؤمن به، ويعبّر بجرأة عن الحقيقة دون تزوير أو مجاملة. أن يتحلّى بالتواضع، فالغرور مقبرة الفنان، وكل فنان مغرور هو مشروع سقوط. أن يحترم زملاءه، والنص، والمخرج، والخشبة، والجمهور، ورأي الناقد. أن يلتزم بالتدريبات، وبتعليمات المخرج، وبالرسالة الفنية. أن يكون قدوةً في سلوكه خارج المسرح، يعكس ما يقدّمه عليه. أن يكون صوته من صوت الناس، وهمّه من همومهم. أن ينأى بنفسه عن استغلال الفن لتحقيق مصالح شخصية أو الضغط على الآخرين. أن يظل دائم البحث عن المعرفة، قارئاً، متعلماً، متطوراً. أن يدرك أن كل جملة على الخشبة قد تغيّر فكراً أو تحرّك وعياً. وأن يرفض تقديم فنٍ سطحيٍ يبيع العواطف الرخيصة على حساب الفكر.

نحن بحاجة اليوم إلى مراجعة حقيقية في الساحة المسرحية. فليست كل العروض فناً، فهناك من يصعد الخشبة ليتاجر لا ليعبّر، وهناك من يستخدم موقعه كمخرج لا لبناء فريق، بل لمآرب أخرى.

هؤلاء لا يحتاجون إلى جوائز أو ألقاب، بل إلى تأهيل أخلاقي ونفسي يعيدهم إلى جادة الرسالة التي فقدوها وتناسوها. لأن الفن في جوهره رسالة، لا مهنة للنفوذ.

الفنان الذي لا يشبه فنه لا يستحق أن يُنادى بفنان، والمخرج الذي لا ينهض بغيره لا ينهض بنفسه، والمسرح الذي لا يُغيّر لا يستحق أن يُشاهد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى