ان التعلق بالله عز وجل والقرب منه سبحانه وتعالى هما السعادة الحقيقية للبشرية، فالراحة النفسية مرتبطة بالتوكل على الله عز وجل. قال الله تعالى في التوكل عليه سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) صدق الله العظيم، الآية ٣ من سورة الطلاق. وقال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) سورة الطلاق: الآيتان 2-3. وقد روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لو أخذ الناس كلهم بهذه الآية لكفتهم”. وقوله: (مَخْرَجًا) فسره بعض السلف: أي من كل ما ضاق على الناس.
وهذه الآية مطابقة لقوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) سورة الفاتحة: الآية 5، الجامعة لعلم الكتب الإلهية كلها؛ وذلك أن التقوى هي العبادة المأمور بها، فإن تقوى الله وعبادته وطاعته أسماء متقاربة متكافئة متلازمة، والتوكل عليه هو الاستعانة به. فمن يتق الله فهو مثال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، ومن يتوكل على الله فهو مثال: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). كما قال عز وجل: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) سورة هود: الآية 123، وقال سبحانه: (عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا) سورة الممتحنة: الآية 4، وقال تعالى: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) سورة الشورى: الآية 10.
ثم جعل للتقوى فائدتين: أن يجعل له مخرجًا، وأن يرزقه من حيث لا يحتسب. والمخرج هو موضع الخروج، وهو الخروج من الضيق والشدة، وهذا هو الفرج والنصر والرزق. فبين أن في التقوى النصر والرزق، كما قال تعالى: (أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) سورة قريش: الآية 4. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ بدعائهم، وصلاتهم، واستغفارهم” وهذا لجلب المنفعة ودفع المضرة.
وأما التوكل فبين أن الله حسبه، أي: كافيه. وفي هذا بيان التوكل على الله من حيث أن الله يكفي المتوكل عليه، كما قال تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) سورة الزمر: الآية 36، خلافًا لمن قال: ليس في التوكل إلا التفويض والرضا. ثم إن الله بالغ أمره، ليس هو كالعاجز، قال تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) سورة الطلاق: الآية 3.
وقد فسروا الآية بالمخرج من ضيق الشبهات بالشاهد الصحيح، والعلم الصريح، والذوق، كما قالوا: يعلمه من غير تعليم بشر، ويفطنه من غير تجربة، ذكره أبو طالب المكي. كما قالوا في قوله تعالى: (إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) الآية 29 من سورة الأنفال، أي: نورًا يفرق به بين الحق والباطل، كما قالوا: بصرًا. والآية تعم المخرج من الضيق الظاهر والضيق الباطن، قال تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) سورة الأنعام: الآية 125. وتعم ذوق الأجساد وذوق القلوب، من العلم والإيمان، كما قيل مثل ذلك في قوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) سورة البقرة: الآية 3، وكما قال تعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء) سورة الأنعام: الآية 99.
والأسباب التي من أتى بها ازداد تعلقه بالله، وإذا حققت هذه الأسباب كان التأثير قويًا ودائمًا بإذن الله تعالى: قراءة القرآن بتدبر وتفهم لمعانيه وما أريد به، والتقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض، ودوام ذكر الله على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، وإيثار ما يحبه الله على محاب النفس وخاصة عند غلبة الهوى، ومطالعة القلب لأسماء الله الحسنى وصفاته ومشاهدتها وتقلبه في رياض هذه المعرفة وميادينها، ومشاهدة بر الله بعباده وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة وشكره عليها اعتقادًا بالإقرار له بها وباللسان بكثرة الثناء عليه وعملًا بطاعته، وانكسار القلب بين يدي الله وكثرة الاستغفار والدعاء والتضرع إليه، ومجالسة الصالحين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم وعدم الكلام إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيدًا لحالك ومنفعة لغيرك، والبعد عن كل سبب يحول بين القلب وبين التعلق بالله عز وجل من المعاصي والذنوب والغفلة عن ذكر الله ونحو ذلك.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا بين بعض الناس التعويل المطلق على أشخاص معينين ووضع آمال كبيرة عليهم، وكأنهم حجر الأساس الذي لا يتصدع أبدًا، وقد يكون ذلك طبيعيًا بالنسبة لهم في بداية الأمر بناء على وعودهم أو حتى مقابل الدعم الكامل والوفاء المطلق أو ربما يكون التقدير الدائم، ولكن سرعان ما يتبدد الظن بالإحباط حين يكون واقعهم بعيدًا عما تصوره هؤلاء الناس. وهنا أحب أن أنوه في مقالي المتواضع وأشير إليه بوضوح أن ما سبق أن ذكرته ليس دعوة للعزل أو عدم الثقة بالناس، فالعلاقات الإنسانية الصحية ضرورية والإنسان اجتماعي بالطبع، ولا بد له أن يوازن في حياته وعلاقاته بالناس فهي مصدر للأمان والسعادة. وهنا يجب أن أوضح لا يجوز أن نضع توقعاتنا وقلوبنا في غير موضعها، ولا نحمل البشر فوق طاقتهم حين نمنحهم أدوارًا لا يستطيعون القيام بها. وهذه الأدوار لا يملكها إلا الله عز وجل سبحانه وتعالى، ونحن بذلك نظلم أنفسنا والآخرين حيث نطالبهم بالكمال الذي لا يملكونه، وهم بشر مثلنا مهما علت مكانتهم ومراتبهم، لهم عيوبهم وظروفهم وتقلباتهم وأمزجتهم التي تخلو من الكمال والاستمرارية.
الثقة بين الناس أساسية، ولكن الأهم الاعتماد والمدد من الله عز وجل، فحبال البشر محدودة. فالله عز وجل الذي رفع السماء وخلق الخلق، مالك الملك والملكوت، ومسخر الأكوان لخدمة البشرية جمعاء، هو سبحانه هو الثابت الذي لا يتغير، والسند الذي لا يميل. فإذا ارتبطت آمالنا وطموحاتنا وأهدافنا ومبتغانا ومماتنا وخاتمتنا بالله عز وجل، لم يخذلنا سبحانه وتعالى. هو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير. فالتعلق به سبحانه يكفينا، وهو الطمأنينة والسعادة الدائمة والراحة النفسية. ومن تعلق بغير الله عز وجل فقد حكم على نفسه الحرمان وختمها بالخذلان. وأصل مادة الشر في العالم هي من تعلق المخلوق بغير خالقه، وتأله قلبه لغير إلهه الحق، فما دخل القلب شرك بالله إلا من باب التعلق. فليعتن اللبيب الناصح لنفسه غاية العناية بحراسة قلبه وعقله ووجدانه وتعلقه بالمولى سبحانه وتعالى.



